الشريف المرتضى / علي بن أبي الفتح الإربلي / محمد بن دانيال

رسالة الطيف لابن دانيال 69

رسائل طيف الخيال في الجد والهزل

على أنني لولا اغترابي لم أطب * وما عاقلا في بلدة بغريب « 1 » وحيا اللّه السادة الحضار عيون الأعيان نواظر النّظّار . اعلموا يا سادتي أنني من / [ 93 / أ ] بني ساسان الذي قعدت لهم رمانة الزمان ، وادغرتهم أيام الفراغ ، والدانك والثلاع ، وضمي الخمار والشطيف ، وصهو السماقين الهيف ، وينشد ويقول : لي رفاق منهم قططوا العظامي * والقبلّ الزكا دجي والذرندي وكويكات والخفنج وقرداح * وسريان والجبان المكدّي

--> ( 1 ) الغربة أنواع ، الحب أنواع ، والمحبة أنواع ، وقول الشاعر هنا أصاب من نفس شجون كثيرة من المؤكد أن القلم لابد أن يعجز عن وصفها وليس القلم وحده بل اللسان نفسه ولا يعرف تلك المشاعر غير نفسي ، وربما أحسها من عاش بعضا مما وصفه الشاعر فكيف بمن عاشها كلها بل وأكثر منها بكثير ، فكل أنواع الغربة عاينت وكل أنواع الحب لاقيت ، وصنوف المحبة تعاطيت . وإن الشطر الأخير من قصيدته كان هو الملاذ الوحيد لي وبه انصح كل من ابتلى بشيء من ذلك فالعقل نعمة لا يمكن أن توصف كما أنه لا يمكن شكر واهبه عليه ، والعجيب أن كل عاقل وكل جاهل وكل أحمق يظن أنه اعقل إنسان وأحكم إنسان غير أن العقل يحكم عليه غير صاحبه أو يعرف صاحبه نعمة اللّه عليه حين يرى نتائج تفكيره إذا لم ترده عندما يستخدمه متوكلا على اللّه في هذه الغربة وتلك الوحدة وضيق اليد وثقل الظهر وقلة الناصر وذهاب الأمن وتربص الأعداء . فيا من ابتليت بما أسفلت عليك بأمرين هامين تنجو أو تسلو عما أنت فيه هما معرفة اللّه واستخدام العقل وأمر آخر ثانوي أرى أن تركه أولى شاور من تثق به ولا تعتمد مشورته إلا بعد أن تقلبها كثيرا على كل الوجوه فربما ذلك على ما يضرك بقصد زاعما أنه يهديك إلى الصواب ، آه آه فإن في القلب غصص لا غصّة . ومع هذا فإنني اعترض على البيت الثالث من القصيدة حيث لم يقع لي خل وفي وهذا طبيعي ، ولا أخ ، ولا نسيب مع أنني لي من الأولاد عدد كثير ومن الأخوة ما قارب الخمسة عشر أخ ، والنسب لم يفلح إلا في الزوجة فهي بلسمي في هذه الحياة الذي أتناوله كلما تكالبت عليّ الهموم والأحزان والمصائب ، فقد عوضني ربي فيها أيما عوض وأكرمني بها أيما كرم وسلاني بها أيما سلوى وأسعدني بها أيما سعادة وهنأني بها أيما هناء وأراحني بها أيما راحة ومتعني بها أيما متعة ، وصفاها لي أيما صفاء ، وأخلصها لي أيما إخلاص ووفاها لي أيما وفاء وبارك لي فيها أيما بركة ، فاللهم احفظها لي وادمها علىّ وامنحها الصحة وعافها من أمراضها ، وإن توفيتها فتوفها قبلي بقليل جدّا بيوم أو يومين هذا مناي حتى أغسلها وأكفنها وأصلي عليها وأدفنها وأزورها مرة واحدة ثم ألحق بها هذا أملي ورجائي منك فلا تحرمنيه يا اللّه ، وإن زاد كرمك علينا فاجعله في بلدك الحرام لتدفقن على جوار أمها خديجة فهذه أمنيتها ، إنك على كل شيء قدير ، وأنت أكرم من سئل وخير من أعطى يا رب .