الشريف المرتضى / علي بن أبي الفتح الإربلي / محمد بن دانيال
طيف الخيال للمرتضى 31
رسائل طيف الخيال في الجد والهزل
وأنه تمتع وتلذذ لا يتعلق بهما تحريم ، ولا يدنو إليهما تأثيم ، ولا عيب فيهما ولا عار ، وقد قاما مقاما فيه ذلك أجمع . وهذا المعنى الأخير مما عندي أني سابق إليه ، ومبتدئ به ؛ لأنني ما رأيته إلى الآن لأحد في نظم ولا نثر ، وقد تعجب الشعراء كثيرا من زيارة الطيف على بعد الدار ، وشحط المزار ، ووعرة الطرق ، واشتباه السبل ، واهتدائه إلى المضاجع من غير هاد يرشده ، وعاضد يعضده ؛ وكيف قطع بعيد المسافة بلا حافر ولا خف ، في أقرب مدة ، وأسرع زمان ؟ ! لأن الشعراء فرضت أن زيارة الطيف حقيقة ، وأنها في النوم كاليقظة ، فلابد مع ذلك من العجب مما تعجبوا منه ، من طي البعيد بغير ركاب ، وجوب البلاد بلا صحاب . « 1 » ومن المعاني المقصودة في الطيف ، أن يلم بذكر ماهيته وسببه ، والمقتضى لتخيله وتصوره ، كما قال أبو تمام « 2 » :
--> - التفكير والنظر في الأوراق بهذه الكلمات القلائل المفيدة في فضائله والقائلين بحسنه . ( 1 ) نعم لقد أجاد في هذا القول أيضا ، حيث إن العاشق المسلم الذي يخاف ربه ويحترم نفسه ، ويخاف على معشوقه من فضوح الدنيا ونار الآخرة يرجو طيف الخيال حتى يغنيه عن هذه الأمور العضال فهو بين نارين : الحب ، وخوف الفضوح فماذا يريحه سوى هذا الطيف الذي لا يلام عليه عامة الناس ، ولا يحاسبه اللّه تعالى عليه ، وهو يقضي له بعض وطره من محبوبه من مسامرة وحديث بلا رقيب أو عزول أو واش . ( 2 ) أبو تمام هو : حبيب بن أوس بن الحارث بن قيس أبو تمام ، الطائي الشاعر ، الحوراني . ذكرته مصادر كثيرة منها طبقات الشعراء ( 283 ) تاريخ الطبري ( 9 / 124 ) ، الأغاني ( 16 / 283 ) الفهرست ( 190 ) تاريخ بغداد ( 8 / 248 ) وفيات الأعيان ( 2 / 11 ) العبر ( 1 / 411 ) البداية والنهاية ( 10 / 299 ) النجوم الزاهرة ( 2 / 261 ) شذرات الذهب ( 2 / 72 ) ، خزانة الأدب ( 1 / 172 ) ، تهذيب ابن عساكر ( 4 / 18 ) ، معاهد التنصيص ( 1 / 14 ) . كتاب أخبار أبي تمام للصولي ، والموازنة بين الطائيين ، وسير أعلام النبلاء ( 11 / 63 ) ومما قال في ترجمته : شاعر العصر . . من حوران ، من قرية جاسم أسلم وكان نصرانيّا ، مدح الخلفاء والكبراء ، وشعره في الذروة ، وكان أسمر طوالا ، فصيحا عذب العبارة مع تمتمة قليلة . ولد في أيام الرشيد وكان أولا حدثا يسقي الماء بمصر ، ثم جالس الأدباء أو أخذ عنهم ، وكان يتوقد ذكاء ، وسحت قريحته بالنظم البديع فسمع به المعتصم ، فطلبه وقدمه على الشعراء ، وله فيه قصائد ، وكان يوصف بطيب الأخلاق والظرف والسماحة . وقيل : قدم في زي الأعراب ، فجلس إلى حلقة من الشعراء ، وطلب منهم أن يسمعوا من نظمه فشاع وذاع وخضعوا له ، وصار من أمره ما صار . . . وقد كان البحتري يرفع من شأن أبي تمام ، ويقدمه على نفسه ، ويقول : ما أكلت الخبز إلا به ، وإني تابع له . -