الشريف المرتضى / علي بن أبي الفتح الإربلي / محمد بن دانيال

رسالة الطيف للمنشئ 64

رسائل طيف الخيال في الجد والهزل

وفي الحمول سمحة ضنينة * تبذل وجها وتصون ملمسا سلسالها إن لم أكن أعرفه رشفا * فقد وصفته تفرّسا وهو مأخوذ من قول شاعر الحماسة : بأطيب من فيها وما ذقت طعمه * ولكنّي فيما ترى العين فارس « 1 » وقد أحسن القائل ما شاء : كأنّ على أنيابها الخمر شجّه * بماء النّدى من آخر اللّيل غابق وما ذقته إلّا بعيني تفرّسا * كما شيم من أعلى السّحابة بارق « 2 » وأجاد زهير « 3 » في قوله :

--> - والتمني وإنه يعرف ذلك ، من قبيل الملاحظة والتفرس والتخمين بما ظهر من طيب حديثها وعطر فيها ونضارة وجهها وحسن مشيتها وفروع عودها وتناسق قدها ودلال حركتها وسكنتها فإنه من كل ذلك استشف بأن ريقها أشهى مما يرجو أو يتمنى فهو أصفى من السلسبيل وأحلى من العسل وأشهى من الشهد وأعطر من الجمار . فهو بالعين يحدد نوع ريقها ويظن أنه ما ذاق في حياته أشهى منه بل أن كل شراب ذاقه حتما دون ريقها في كل صفة من صفاته . فراح يتمنى أن يرتشف من ذلك الريق العطر البارد الصافي الشهي اللذيذ المنعش المنشط الموقظ المنبه المقوي المعين على الحيوية والسرور والنضارة والحبور . ( 1 ) وهذا يصرح بأنه ما ذاق طعم ريقها ، ولكنه يخمن أن يكون على أحلى وأشهى مما يتخيل لأنه إنما تفرس ذلك ، وأنه لديه خبرة لا تخطئ في علم الفراسة ، فهو على يقين أن تكون أحلى ما يصف أو مما يظن هو وكل ظان ، فإن عينه لا تخطئ الفراسة فيما خمنت أو طنت أو رأت أثره فكيف أو لماذا تخطئ في تحديد ريقها ، وهذا ليس قولي في علمي بالفراسة بل هي شهادة الناس لي به فإن نالها غيري وكانت ضمن نصيبه ووجد ما تفرست فلا يظن أنه لي بها علاقة فيها ريب فما هو إلا التفرس فهي أبرأ من أن يظن بها ذلك بل هي بريئة براءة الذئب من دم ابن يعقوب عليهما السلام . ( 2 ) وهذا أيضا يصف عطر فيها وعذوبة ريقها ، ويعلن أنه على الرغم من جمال ذلك منه وطيبه فلا يظن ظان أنني لي بها صلة مادية إنما هو تفرس فقط وقد يصدق هذا التفرس لمن تعلق بها متحللا لها بالنكاح فلا يتهمها أو يريبها بما قلت فإنما هو العلم المعلوم المشهور المعترف به وهو علم الفراسة الذي لا يكاد يخطئ صاحبه ، وكأنه في أيامنا هذه التحليل أو الأشعة التي تتحقق الأشياء من خلالها فيحكم الحاكم على بينة ويصف الواصف للعلاج على يقين من تشخيصه للمرض . ( 3 ) هو زهير بن أبي سلمى ، وقد ترجم له ابن قتيبة الدينوري في الشعر والشراء ( 23 ) فقال : هو زهير بن ربيعة بن قرط ، والناس ينسبونه إلى مزينة ، وإنما شبه في غطفان وليس لهم بيت شعر -