الشريف المرتضى / علي بن أبي الفتح الإربلي / محمد بن دانيال
رسالة الطيف للمنشئ 53
رسائل طيف الخيال في الجد والهزل
/ [ 28 / أ ] وقال : إذا ما الكرى أهدى إليّ خياله * شفى قربه التّقريح أو نقع الصّدا إذا انتزعته من يديّ انتباهة * عددت حبيبا راح منّي أو غدا ولم أر مثلينا ولا مثل شأننا * نعذّب أيقاظا وننعم هجّعا « 1 » وقال : وليلة هوّمنا مع العيس أرسلت * بطيف خيال يشبه الحقّ باطله فلو لا بياض الصّبح طال تشبّثي * بعطفي غزال بتّ وهنا أغازله « 2 » فانظر إلى تناسب ألفاظه وحسن معانيها واعتبر شدة النوم المودع فيها .
--> - حالة شجى فيقول : وأشجى ببين من حبيب مودع * انظر إلى ماذا صار حاله ؟ ( 1 ) في المخطوط هجدا ، وهو تحريف واضح ، وهو هنا يتمنى أن يراه في النوم ، ويعتبر هذا إهداء جميلا طيبا من النوم إذا ساق إليه خيال حبيبة فإن مثل هذه الزيارة منه تشفي غليل وتروى عطش وظمأ طال به وها هو قد وضع بين يديه ما يرويه ويرد ما به من الصدى الذي وقع فيه من شدة الشوق والحنين والرجاء للقاء لقد تكرم عليه الكرى وأهدي إليه معشوقة في ليلة صفاء وهناء فأروى غليله ورد عطشه وهو يخشى أن ينتبه من ذلك النوم حتى لا يقر حبيبه من يده ، ويتمنى أن يطول ذلك الليل وليسعد بذلك اللقاء حتى لا ينصرف خيال حبيبه . ثم هو يتعجب من حالهما إذ إنهما في الحياة الحقيقية يعذبان وفي الكرى والنوم والخيال ينعمان ينال ما يرجوان من بعضهما مناما ، ولا يعرفان في الحياة إلّا الآلام والتعب والعذاب من عدم تحقق الأحلام ، فهو يتمنى أن يظل نائما لينعم بحبيبه خير له من أن يستيقظ فيتألم ببعاده أو فراقه . ( 2 ) يحكي عن ليلة رأى فيها حبيبه في نومه في طيف خياله فهام في فيافي الصحراء كما تهيم العيس غير قاصدة بل ذاهبة ، حيث قادتها أرجلها فهو وهي لا هدف لهما سوى إرواء الغليل وإطفاء الشعيل وإسكان الظمأ وجبر الخاطر وكأنهما ليسا في منام بل هم في حق وحقيقة وحياة طبيعية لا ينقصها شيء حتى أنه لا يريد أن يخطر بباله أن مجرد منام ولكن لا بد مما لا بد منه ألا وهو ابتلاج الصبح أو الاستيقاظ من النوم وذهاب طيف الحبيب والعودة إلى مكابدة الأسى والألم والشوق والحنين والتمني والرجاء والانتظار والتلهف . فقد كان في نومه يعاطف ويناجي ويناغي غزاله وإن كان تشبيها ليس حقيقيّا وأمرا إنما هو خياليّا إلّا أنه لا يحاكي الحقيقة وحسب بل يفوق الحقيقة بمراحل بعيدة إذ لا يمكن أن نقول في الحقيقة ما نقوله في الخيال ولا نستطيع أن نفعل في الحقيقة ما نفعله في الخيال . إن في الخيال حرية كاملة في القول والفعل والحركة والسكنة والتصريح المبين عن مكنون ما في النفوس تجاه بعضهما البعض ففيه ينفس الرائي عن مكنون نفسه بجلاء ورضا .