الشريف المرتضى / علي بن أبي الفتح الإربلي / محمد بن دانيال

رسالة الطيف للمنشئ 29

رسائل طيف الخيال في الجد والهزل

أفدي حبيبا مثل بدر الدجى * من فوف لدن القد ميّاد صدوده يذكي غليل الجوى * والوصل يروي غلّة الصّادي رأى جنوني وغرامي به * فزارني من غير ميعاد « 1 » فقالت مصباح النواظر ، وراحة الأرواح والخواطر ، وصقل الأفهام ، ونهاية الأقدام ، ودرّة الغواض ، وظبية القناص ، وفتنة العام والخاص : أعلمنه أنه لا نجاة له من الغرام ولا شفاء من السقام وقد أسرته تلك الإشارات ، وقادته إلى الهوى آياته البينات / [ 16 / ب ] كم ادعى لحمائه يوم الحب دفعا وجرته تلك المقامات مسلوب الفؤاد ، وحملته العين على تفحم الخطر ، وساقه إلى الصباية الجمال المعتبر ، وملكته العيون ، وسلبته السكون ، وأنتم إخوان الصفا ، وذوات الوفا والظفر ، فمثله غنيمة باردة ، ونعمة زائدة ، وإهمال أمره دليل على فساد الرأي وأفنه ، والاهتمام بما يحفظ ودّه صواب تفهم المصالح من ضمنه وأنا أرى أنّا متى زرناه استحكم وجده وكمده ، وغلب صبره وجلده ، والمصلحة أن تنفذ إليه من يعرّفه مواقع هذه المنّة ، ويتبعه على قطف ثمار الجنة « 2 » .

--> ( 1 ) حقّ له أن يشكر محبوبه إذ وصله بعد بعد فانظر كيف يكون الحال عند التلاقي بين العشاق بعد طول فراق وشوق أضنى من طول الإباق فهو يقول أنه يفديه بروحه شكرا له على هذه الزيارة وهذا الوصال على الرغم من ألم وطول قسوة الصدود ، هذا الصدود الذي أشعل في نفسه نار الشوق وأضناها من طول السهر ومرارة البعد وخوف عدم الصور بعد هذا الصدود ، فقد جاء هذا الوصل ليروى غليله ويطفئ ظمأه ويريح فؤاده ويطمئن باله ويهدئ حاله ، ويعيد إليه اتزانه ، وهو يشكره إذ علم أنه علم بحاله فرق له لمّا رأى ما نزل به من جنون الغرام وعذاب الوجد والهيام فزاره دون أن يخبره بموعد الزيارة حتى لا يضيف إلى شوقه شوق الانتظار ولهفة الترقب للوصول . ( 2 ) هكذا قرروا أن يعلموه بالزيارة ، ولا يدخلوا فجأة كالغارة ، حتى يعد للأمر عدته وينشئ له أهبته ، وما يليق بهذا اللقاء المحبوب ، والرجاء المطلوب والأمل المنشود فيستعد بآلات الطرب والعود ومعها ما يليق من أسباب السعود مما يبهج الأنظار ويعطر المكان ويذهب عن الكاسل الوسنان ويوقظ الهم ويعلي في النفس العزم ويقوى على الانتباه ويشرح الصدور الكوادر والنفوس الملال ويحضر الدلال ويذهب الكلال ، وكل ما هو مباح وحلال ويدعو إلى دوام الحب ويحض على الوصال ويمنع أسباب الهجر والفصال . وكذا من المطعوم ما يفتح الشهية ويسعد النفس التقية ويشجع على الزيادة منه بلا خوف أو روية من مشروب ومطعوم ومما يسهل تناوله ويتيسر هضمه ولا يملأ المعدة قليله ولا يشبع كثيره فهو مطلوب مرغوب غير مشبوع منه ولا يمل تناوله . -