الشريف المرتضى
61
الموضح عن جهة إعجاز القرآن ( الصرفة )
قيل له : المثل في الفصاحة - الذي دعوا إلى الإتيان به - هو ما كان المعلوم من حالهم تمكّنهم منه وقدرتهم عليه ، وهو المقارب والمداني لا المماثل على التحقيق الّذي ربّما أشكل كيف حالهم في التمكّن منه ، فالّذي يكشف عن ذلك أنّه : ليس يخلو القرآن في الأصل من أن تكون العادة انخرقت بفصاحته ، ويكون التحدّي بإتيان مثله « 1 » مصروفا إلى ما أدخله في المعتاد ، وأخرجه من انخراق العادة به . أو أن يكون معتادا ، والتحدّي وقع بالصّرف عن معارضته . ويكون دعاؤهم إلى فعل مثله ليمتنعوا ، فتنكشف الحال في الصّرفة . فإن كان الأوّل فقد دللنا فيما تقدّم على أنّ العادة لم تنخرق به ، وأنّ خفاء الفرق بين بعض ما وقع به القرب « 2 » منه ، وبين فصيح كلام العرب يدلّ على التماثل والتقارب المخرج له من أن يكون خارقا للعادة ، وأشبعنا القول في ذلك . وإن كان الأمر جرى على الوجه الثّاني فهو الذي نصرناه . وليس يخلو المثل الذي دعوا إلى الإتيان به بعد هذا من أن يكون هو الذي قد علم من حالهم أنّهم متمكّنون منه ، وأنّه الغالب على كلامهم والظّاهر على ألسنتهم ، فذاك المقارب لا المماثل على التّحقيق ؛ لأنّ المماثل ممّا لا يظهر تمكّنهم منه هذا الظّهور . ولو كانوا إلى ذلك دعوا لوجب أن يعارضوا . وإذا لم يفعلوا - مع توفّر الدّواعي - فلأنّهم صرفوا . ويكون ما دعوا إلى فعله هو المماثل على الحقيقة . فإن كانوا دعوا إلى ذلك لم يخل حالهم فيه من أمرين : إمّا أن يكونوا قادرين عليه ومتمكّنين منه ، أو غير متمكّنين . ولو قدروا وتمكّنوا ، لوجب أن يفعلوا . وإن كانوا غير متمكّنين - لا لأنّهم صرفوا عن ذلك وأفقدوا العلم به في الحال ، بل بقصورهم عن نظمه في الفصاحة ،
--> ( 1 ) في الأصل : إتيان بمثله ، والمناسب ما أثبتناه . ( 2 ) هكذا تقرأ الكلمة في الأصل ، وقد تقرأ : « الفرق » .