الشريف المرتضى
51
الموضح عن جهة إعجاز القرآن ( الصرفة )
معهودا بيننا ، فبأيّ شيء فقتنا وفضلت علينا ؟ ! وأين المعجز الّذي لا بدّ لمدّعي النّبوّة منه ؟ ! وعن أيّ شيء صرفنا ؟ ! وفي عدول القوم عن هذا - وفيه لو اعتذروا به أوضح العذر وأكبر الحجّة - دليل على صحّة طريقتنا . فإن قال : أراكم تسومون « 1 » العرب من الاحتجاج والمواقفة ، بما لا يهتدي إليه إلّا حذّاق المتكلّمين وأولو التدقيق منهم ؛ لأنّ العلم بالفصل بين ما يتعذّر على الخلق ولا يكون معجزا ولا خارقا للعادة وبين ما يتعذّر عليهم ويكون كذلك ، والتمييز بين التفاضل المعتاد والتفاضل الّذي ليس يعتاد « 2 » ، أمر موقوف على النظر الّذي ليس من شأن القوم ، ولا يحسنونه . وإنّما وجدوا ما دعاهم إلى الإتيان بمثله ، فتعذّر عليهم ، ولم يبحثوا عن علّة هذا التعذّر وسببه ، وهل العادة جارية بمثله ، أم غير جارية ؟ فلهذا لم يواقفوا . قيل له : ليس يفتقر ما ذكرناه إلى دقيق النّظر كما ظننت ، بل العلم به قريب من أوائل العقول الّتي لا اختصاص فيها بين العقلاء ، وذلك أنّ كلّ عاقل يعلم أنّ النّبيّ لا بدّ أن يبين « 3 » من غيره ، ويختصّ بما لا يشركه فيه من ليس بنبيّ . ويعلم أيضا : أنّ الذي يبين به لا يجوز أن يكون أمرا معتادا ؛ لأنّ المعتاد لا إبانة فيه . ولو أنّه ممّا يقع به الإبانة لوقعت بكلّ معتاد حتّى يدّعى بالأكل والشّرب ، والقعود والنهوض ، وهذا ممّا يعلمه جميع العقلاء . والعرب لا محالة عالمون به ، وعاقلون أيضا بأنّ شاعرهم قد يجوّد في بعض الأوزان ، ويقصّر في غيرها . وهذا ممّا إليهم المرجع في علمه . فلو كانت حال القرآن في تعذّره على سائرهم حال ما يقصّر فيه بعض الشّعراء
--> ( 1 ) سامه الأمر : أي كلّفه إيّاه ، وألزمه به . ( 2 ) هكذا في الأصل ، ولعلّه : بمعتاد . ( 3 ) أي يبرز ويتشخّص عن غيره .