الشريف المرتضى

39

الموضح عن جهة إعجاز القرآن ( الصرفة )

ولو كانوا أعجزوا عن الكلام المساوي للقرآن في الفصاحة ، لم يتأتّ منهم شيء من الكلام في الفصاحة ، ويماثل في طريقة النّظم ، ونحن نفعل ذلك . [ قيل له ] : أمّا ما يدلّ على أنّ التحدّي كان بالفصاحة والنّظم معا أنّا رأينا النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله أرسل التّحدّي إرسالا ، وأطلقه إطلاقا من غير تخصيص يحصره ، أو استثناء يقصره ؛ فقال صلّى اللّه عليه وآله مخبرا عن ربّه تعالى : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً « 1 » . وقال : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ « 2 » . فترك القوم استفهامه عن مراده بالتحدّي وغرضه فيه ، وهل أراد مثله في الفصاحة دون النّظم ، أو فيهما معا ، أو في غيرهما ؟ فعل من قد سبق الفهم إلى قلبه وزال الرّيب عنه ؛ لأنّهم لو ارتابوا لسألوا ، ولو شكّوا لاستفهموا . ولم يجر ذلك على هذا إلّا والتحدّي واقع بحسب عهدهم وعادتهم . وقد علمنا أنّ عاداتهم جارية في التحدّي باعتبار طريقة النّظم مع الفصاحة ، ولهذا لا يتحدّى الشّاعر الخطيب الذي لا يتمكّن من الخطابة . وإنّما يتحدّى الشّاعر الشّاعر والخطيب الخطيب . ووجدنا أكثرهم لا يقنع بأن يعارض القصيدة من الشّعر بقصيدة منه حتّى يجعلها من جنس عروضها ، كأنّها إن كانت من الطويل جعلها من الطويل ، وإن كانت من البسيط جعلها من البسيط . ثمّ لا يرضيه ذلك حتّى يساوي بينهما في القافية ، ثمّ في حركة القافية . وعلى هذا المذهب يجري التناقض « 3 » بين الشّعر ، كمناقضة

--> ( 1 ) سورة الإسراء : 88 . ( 2 ) سورة هود : 13 . ( 3 ) قال الخليل بن أحمد في كتاب العين : النّقض : إفساد ما أبرمت من حبل أو بناء . والمناقضة في الأشياء ، نحو الشعر ، كشاعر ينقض قصيدة أخرى بغيرها . ومن هذا نقائض جرير والفرزدق .