الشريف المرتضى
38
الموضح عن جهة إعجاز القرآن ( الصرفة )
كلاما هو دونه في الرّتبة هذا الفضل ولا حصل بينهما هذا القدر ، وإن كان أحدهما من الفصاحة في الذّروة العليا ، والآخر في المنزلة السّفلى . هذا إذا فرضنا بطلان الصّرفة ، ونسبنا تعذّر المعارضة على العرب إلى فرط فصاحة القرآن ، فكيف يمكن مع ما كشفناه أن يدّعى أنّ ما بين القرآن وبين كلام فصحاء العرب من البعد في الفصاحة دون ما بين شعر الطائبيّين وشعر امرئ القيس ؟ ! وما أوردناه من الاعتبار يوجب أن يكون بينهما أكثر ممّا بين شعر المتقدّمين والمحدثين بأضعاف كثيرة . وأنّ ذلك لو لم يكن على ما قلنا ، وكان على ما توهّمه الخصم ، لوقعت المعارضة لا محالة . كما أنّ امرأ القيس لو تحدّى أحد الطائبيّين ببيت من عرض شعره لسارع إلى معارضته ولم يتخلّف عنها . وهذا ممّا لا إشكال في مثله . * * * وبعد ، فإنّ من يدّعي أنّ خرق العادة بالقرآن إنّما كان من جهة فصاحته دون غيرها ، لا يقدم على أن يقول : إنّ بين شيء من الكلام الفصيح وإن تقدّم ، وبين غيره من الفصيح وإن تأخّر ، من البعد أكثر ممّا بين القرآن وفصيح كلام العرب ؛ لأنّه كالمنافي لأصله ، والمنافر لقوله . وإذا استحسن ارتكابه مستحسن ، معتصما به ممّا تقدّم من إلزامنا ، كان ما أوردناه مبطلا لقوله ومكذّبا لظنّه . وهذا واضح بحمد اللّه . فإن قال : ما الّذي تريدون بقولكم : إنّهم صرفوا عن المعارضة ؟ أتريدون أنّهم أعجزوا عنها ، أم سلبوا العلوم الّتي لا تتأتّى إلّا بها ، أم شغلوا عنها ، وصرفت هممهم ودواعيهم عن تعاطيها ؟ فإن أردتم العجز فهو واضح الفساد ؛ لأنّ العجز لا يختصّ بكلام دون كلام .