السيد محمد تقي المدرسي
202
الفقه الاسلامي ( أحكام الولايات )
وغني عن الذكر أنّ تشخيص هذه الأمور واتخاذ القرار المناسب بشأنها يعود إلى الإمام العادل الذي له صلاحية الاجتهاد وإعلان الحكم الصحيح الملائم مع كل الملابسات ، بل إن أمر إقامة الحدود بالأساس يعود للإمام العادل ، ذلك لأن هذا الجانب من الشريعة الإسلامية - كسائر الجوانب الاجتماعية والسياسية والولائية - لا يطبقه المسلمون كأفراد وإنما يطبقه الحاكم المشروع . قال حفص بن غياث : ( سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِالله عليه السلام قُلْتُ : مَنْ يُقِيمُ الْحُدُودَ السُّلْطَانُ أَوِ الْقَاضِي ؟ . فَقَالَ عليه السلام : إِقَامَةُ الحُدُودِ إِلَى مَنْ إِلَيْهِ الحُكْمُ ) « 1 » . وقال الشيخ المفيد في ( المقنعة ) : ( فأما إقامة الحدود فهو إلى سلطان الإسلام المنصوب من قبل الله تعالى وهم : أئمة الهدى من آل محمد صلى الله عليه وآله ، ومن نصبوه لذلك من الأمراء والحكّام وقد فوضوا النظر فيه إلى فقهاء شيعتهم مع الإمكان ) « 2 » . وقد يتساءل البعض : إذا أقيم الحدُّ الشرعي على المجرم في الدنيا ، فهل يُعاقَب في الآخرة أيضًا ؟ نجد الجواب على هذا السؤال في رواية زُرَارَةَ عَنْ حُمْرَانَ قَالَ : ( سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ عليه السلام عَنْ رَجُلٍ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي الدُّنْيَا أَيُعَاقَبُ فِي الْآخِرَةِ ؟ . فَقَالَ عليه السلام : اللهُ أَكْرَمُ مِنْ ذَلِكَ ) « 3 » . تُدرأ الحدود بالشّبهات من الواضح أنّ تشريع العقوبات في الإسلام لا يهدف الانتقام والتشفي ، وإنما الهدف هو محاربة الفساد والجريمة ، وردع أصحاب النفوس الضعيفة عن اقتراف الجرائم والمنكرات ، هذا من جهة . ومن جهة أخرى فإنّ إقامة العدل والقسط في المجتمع وفي تنفيذ الأحكام والقضاء بين الناس ، تُعد من الأمور الأساسية التي تؤكد عليها الشريعة الغرّاء ، وهذا الأمر يقتضي تحرّي الدقّة بأعلى مراتبها في إصدار الأحكام الجزائية وإنزال العقوبات بالمخطئين ، وذلك تجنّباً للخطأ في تشخيص المجرم والجريمة وحدودها ، وحذراً من معاقبة البريء . هنا جاءت القاعدة الثابتة في باب الحدود : ( تُدرأ الحدود بالشبهات ) والتي استُلهمت من نصوص السنّة الشريفة . فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال : ( ادْرَؤُوا الحُدُودَ
--> ( 1 ) وسائل الشيعة : ج 27 ، ص 299 . ( 2 ) المقنعة ، الشيخ المفيد ، ص 810 . ( 3 ) وسائل الشيعة : ج 28 ، ص 14 . .