السيد نعمة الله الجزائري

509

زهر الربيع

فسلّم علي أحسن سلام وجلس وأخذ في حديث النّاس وأيّام العرب وأشعارها حتى سكن ما بي فظننت أنّ غلماني قصدوا مسرّتي بإدخاله عليّ لأدبه فعرضت عليه الطّعام فأبى وقلت له في الشراب ، فقال ذلك إليك فشربت ، رطلا وسقيته ، مثله فقال يا أبا إسحاق ، هل لك أن تغنّي فنسمع منك ما قد فقت به على الخاص ، والعام فغاظني ذلك منه فأخذت العود ، وغنّيت فقال أحسنت يا إبراهيم ثمّ قال زدنا فنكافيك وأخذت العود وغنّيت ، فقال أحسنت يا سيّدي أتأذن لعبدك ، في الغناء فقلت نعم واستضعفت عقله ، كيف يغنّي بحضرتي ؟ بعد ما سمعه منّي فأخذ العود وحبسه فو اللّه لقد خلته أن ينطق بلسان عربيّ واندفع يغنّي : ولي كبد مقروحة من يبيعني * بها كبا ليست بذات قروح أباها على النّاس أن يشترونها * ومن يشتري ذا علّة بصحيح قال إبراهيم فظننت أنّ الحيطان والأبواب وكلّما في البيت تجيبه وبقيت مبهوتا لا أستطيع الكلام ولا الحركة ثمّ غنّى : « ألا يا حمامات اللّوى ) الأبيات فكاد يذهب عقلي طربا ثم قال يا إبراهيم خذ هذا الغناء ، وانح نحوه في غنائك ، وعلّمه لجواريك ثمّ غاب ، من عيني فقمت وعدوت نحو الأبواب وقلت للجواري أيّ شيء سمعتنّ ، فقلن سمعنا أحسن غناء ، فخرجت إلى الدّار فوجدته مغلقا فسألت البوّاب ، عن الشيخ فقال أيّ شيخ فو اللّه ما دخل إليك اليوم أحد من النّاس فرجعت لأتأمّل أمري وإذا به قد هتف من جانب الدّار لا بأس عليك أنا إبليس قد اخترت منادمتك في هذا اليوم فلا ترتاع فركبت إلى الرّشيد واتحفته بهذه الظّريفة ، فقال اعتبر الأصوات التي أخذتها منه فأخذت العود فإذا هي راسخة في صدري فطرب الرّشيد وأمر لي بصلة وقال ليته أمتعنا يوما واحدا كما أمتعك . أبو ناجية كنية إبليس ويضارع هذا ما أورده ابن خلكان في ترجمة ابن دريد قال محمّد بن دريد سقطت من منزلي بفارس فانكسر بعض أعضائي فسهرت ليلي فلمّا كان آخر اللّيل غضيت عيني ، فرأيت رجلا طويلا أصفر الوجه كوسجا دخل عليّ وقال أنشدني أحسن ما قلت في الخمر فقلت ما ترك أبو نواس لأحد شيئا في هذا الباب فقال أنا أشعر منه قلت ومن أنت قال أبو ناجية من أهل الشّام وأنشدني :