السيد نعمة الله الجزائري

43

الأنوار النعمانية

الصادق عليه السّلام انّما الإسراف فيما أتلف المال وأضر بالبدن والمراد من إتلاف المال صرفه في غير المصارف المقصودة للعقلاء . وامّا الثاني فمثاله ما روى من انّ من شرب من ماء الفرات وألقى بقية الكوز خارج الماء فقد أسرف ، وقوله عليه السّلام انّ من الإسراف أن تجعل ثياب بدنك ثياب صونك ، وقوله عليه السّلام انّ من الإسراف ان تعطي السائل السنبل بكلّ قبضتك إلى غير ذلك ، وذكر جماعة من الأصحاب انّ الإسراف هو ان يتجاوز الإنسان حاله في الأنفاق ولهذا الكلام وجهان : الأوّل انّ المراد حاله بالنظر إلى أهل بلاده وهذه لا يطرد فيه الإسراف لأنّا شاهدنا أهل بعض البلاد الغالب عليهم الحرص وسوء المعاش مع ما فيهم من الثروة والأموال فلو انّ أحدا تجاوز في الملبس والمأكل ونحوهما لم يكن مسرفا لأنّ المفروض قدرته على ذلك . الثاني ان المراد حاله بالنظر إلى ثروته وقدرته وهذا يتحقق فيه الإسراف كأن يكون تاجرا مثلا فينفق الأرباح في سنة ويتعدّى إلى رأس المال أو يستقرض وينفق من غير أن يكون عند وجهه ، وقد بقي هيهنا فرد آخر وهو أنّ الإنسان إذا تأنق بالمنازل والمجالس والملابس والمناكح مع أمكان الاكتفاء بدونها فهل يعدّ مثل هذا من باب الإسراف الظاهر انّه لا يكون اسرافا بل ربما كان مستحبا لأن فيه أظهار نعم اللّه تعالى المأمور به في قوله تعالى : وامّا بنعمة ربك فحدّث ، فقد ورد أنّ المراد التحديث بالفعل لا بالقول . وكان الأئمّة عليهم السّلام يتأنّقون في المطاعم والملابس وغيرها وامّا مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام وصبره واستعماله لما خشن وجشب فقد ورد به العذر عن الصادق عليه السّلام سابقا وحينئذ فهذه الحشيشة من هذا الباب وهو ان الناس مالت أنفسهم إليها وكانوا قادرين على أثمانها فلا بأس بإستعمالها كغيرها . وامّا حكاية الإسكار فهي غير مطردة ، وذلك أنّ الإنسان قد يسكر عن بعض المحلّلات ، فمن عرف من حاله هذا وأمثاله كان عليه حراما لا غير واما التأنق في الله فانّما يكون حراما مع عدم القدرة لا غير ، واما الجواب عن الدليل الثالث وهي كونها من الخبائث فاعلم انّ الخبيث نقيض الطيّب وقد ورد الأمر بأكل الطيبات وأجتناب الخبائث والطيّب في اصطلاح الأخبار والتفاسير يطلق على معان أربعة : أوّلها ما هو مستلذّ للنفس ، وثانيها ما أحلّه الشارع ، وثالثها ما كان ظاهرا ، ورابعها ما خلا عن الضرر في الروح والبدن ، وجزم بعض الأصحاب بأنه حقيقة في الأوّل وهو المراد من قوله تعالى كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً ولكن الشائع في الأخبار هو الإطلاق الثاني وهذه الحشيشة