السيد نعمة الله الجزائري
168
الأنوار النعمانية
فسكنت أمواجه فنزل عليه السّلام ومشى على وجه الماء ، ونزلت انا والبغلتان تمشيان خلفنا فلما خرجنا من ذلك البحر وإذا هو تتلاطم أمواجه كهيئة الأولى ، فقلت : يا أمير المؤمنين ما هذا البحر : فقال عليه السّلام كهذا هو البحر الذي اغرق اللّه فيه فرعون وقومه فهو يضطرب خوفا من اللّه تعالى من ذلك اليوم إلى يوم القيامة فلما نظرت اليه خاف مني فسكن وها هو رجع إلى حالته الأولى ، قال سلمان : فلمّا خرجنا من ذلك البحر ومشينا رأيت جدارا أبيضا مرتفعا في الهوى ليس يدرك أوله ولا آخره فلمّا قربنا اليه وإذا هو جدار من ياقوت أو نحوه فإذا بباب عظيم فلما دنا منه أمير المؤمنين عليه السّلام انفتح فدخلنا فرأيت أشجارا وانهارا وبيوتا ومنازل عالية فوقها غرف ، وإذا في تلك البستان انهار من خمر وانهار من لبن ، وانهار من عسل وإذا فيها أولاد وبنات وكل ما وصفه اللّه تعالى في الجنة على لسان نبيه صلّى اللّه عليه وآله رأيته فيها فرأيت أولادا وبناتا اقبلوا إلى أمير المؤمنين عليه السّلام يقبلون أياديه واقدامه فجلس على كرسي ووقف الأولاد والبنات حوله ، فقالوا : يا أمير المؤمنين ما هذا الهجران الذي هجرتنا ؟ هذا سبعة ايّام ما رأيناك فيها يا أمير المؤمنين ، فقلت : يا أمير المؤمنين : ما هذه المنازل في هذا المكان ؟ فقال : يا سلمان هذه منازل شيعتنا بعد الموت تريد يا سلمان ان تنظر إلى منزلك ؟ فقلت : نعم فامر واحدا وأخذني إلى منزل عالي مبني من الياقوت والزبرجد واللؤلؤ وفيه كل ما تشتهي الأنفس فأخذت رمّانة من ثماره وأتيت اليه ، فقلتكيا أمير المؤمنين هذا منزلي ولا أخرج منه فقال : يا سلمان هذا منزلك بعد الموت وهذه منازل شيعتنا بعد الموت وهذه جنّة الدنيا تأتي اليه شيعتنا بعد الموت فيتنعمون بها إلى يوم القيامة حتى ينتقلون عنها إلى جنة الآخرة ، فقال : يا سلمان تعال حتى نخرج ، فلما خرج عليه السّلام ودّعه أهل تلك الجنة فخرجنا فانغلق الباب فمشينا ، فقال لي : يا سلمان ا تحب ان أريك صاحبك ؟ فقلتكنعم فحرّك شفتيه فرأيتت ملائكة غلاضا شدادا يأتون برجل قد جعلوا في عنقه سلاسل الحديد والنار تخرج من منخريه وحلقه إلى عنان السماء والدخان قد أحاط بتلك البرية وملائكة خلفه تضربه حتى يمشي ولسانه خارج من حلقه من شدة العطش فلما قرب الينا قال لي : تعرفه ؟ فنظرته وإذا هو عمر بن الخطاب ، فقال : يا أمير المؤمنين أغثني فانا عطشان معذب فقال أمير المؤمنين عليه السّلام كضاعفوا عليه العذاب فرأيت السلاسل تضاعفت والملائكة والنيران تضاعفت فاخذوه ذليلا صاغرا فقال : يا سلمان هذا عمر بن الخطاب وهذا حاله فإنه ما من يوم يمضي من يوم موته إلى هذا اليوم الا وتأتي الملائكة به وتعرضه عليّ فأقول لهم ضاعفوا عذابه فيتضاعف عليه العذاب إلى يوم القيامة . قال سلمان : فركبنا فقال لي غمّض عينيك يا سلمان ، فغمضت عيني فقال لي : افتحها وإذا انا بباب المدينة ، فقال : يا سلمان مضى من النهار سبع ساعات وطفنا في هذا اليوم البراري والقفار والبحار وكل الدنيا وما فيها .