السيد نعمة الله الجزائري
169
الأنوار النعمانية
أقول هذا الحديث لا ينافي كون محلها ومكانها ظهر الكوفة ، وذلك لأنّ هذه الجنة التي رآها سلمان هي التي بظهر الكوفة ، ويكفي في هذا قوله عزّ وعلا وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وقوله صلّى اللّه عليه وآله الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا ، وهذا ليس للمقتول فقط إذ لا قيل ولا قائل به . وقد انكر بعضهم هذا النعيم وقال : ان الروح عرض فلا يجوز ان تتنعم ، وهذا لا يصح لأن الروح كما سبق جسم رقيق هوائي مأخوذ من الريح ، ويدل على ذلك انّه يخرج من البدن ويرد اليه وهي الحساسة الفعالة مع أنك قد عرفت انّها تدخل في قالب مثل هذا القالب الّا انّه ألطف منه ليست في كثافة الماديات ولا لطاقة المجردات بل هي ذوات وجهين وواسطة بين العالمين ، وهذا ما قاله طائفة من أساطين الحكماء كأفلاطون وأتباعه من انّ في الوجود عالما مقداريا غير العالم الحسي وهو واسطة بين عالم المجردات وعالم الماديات ليس في تلك اللطافة ولا في هذه الكثافة ، فيه الأجسام والأعراض من الحركات والسكنات والأصوات والطعوم والروائح وغيرها مثل قائمة بذاتها معلقة لا في مادة ، هو عالم عظيم الفسحة وسكّانه على طبقات متفاوتة في اللطافة والكثافة وقبح الصورة وحسنها ، ولأبدانهم المثالية جميع الحواس الظاهرة والباطنة فيتنعمون ويتألمون باللذات والألآم النفسانيّة والجسمانية . وقد نسب العلامة في شرح حكمة الأشراق القول بوجود هذا العالم إلى الأنبياء والأولياء والمتألهين من الحكماء ، قال شيخنا البهائي عطّر اللّه مرقده : وهذا وان لم يقم على وجوده شيء من البراهين العقلية لكنه قد تأيّد بالظواهر النقلية وعرّفه المتألّهون بمجاهداتهم الذوقية وتحققوه بمشاهداتهم الكشهية . وأنت تعلم أن أرباب الأرصاد الروحانية أعلى قدرا وارفع شأنا من أصحاب الأرصاد الجسمانية فكما انك تصدق هؤلاء فيما يلقونه إليك من خفايا الهيات الفلكية فحقيق ان تصدق أولئك أيضا فيما يتلونه عليك من خبايا العوالم المقدسة الملكية هذا كلامه ره . فهذه الجنة التي هي دار السّلام هي مأوى المؤمنين في نهارهم واما ليلهم فلهم جنّة أخرى يارون إليها في الليل ويسكنون فيها فهي محل نومهم فإذا أضاء الصبح طاروا منها إلى وادي السّلام وتلاقوا فيها وتعارفوا وتصاحبوا وتحادثوا واكلوا من ثمارها وبقوا فيها إلى الليل فإذا جاء الليل طاروا إلى الجنة التي في المغرب ليناموا فيها وتكون محلى الليل . روى الكليني في الصحيح عن ضريس الكناسي قال : سئلت أبا جعفر عليه السّلام ان الناس يذكرون ان فراتنا تخرج من الجنة فكيف هو ؟ يقبل من المغرب وتصب فيه الأودية والعيون ؟ فقال أبو جعفر عليه السّلام : ان للّه جنة خلقها اللّه في المغرب وماء فراتكم هذه يخرج منها وإليها تخرج أرواح