السيد نعمة الله الجزائري
83
الأنوار النعمانية
والثاني انّهم ان عجزوا عنه نسبوه إلى أنواع القبائح ليصير اتصافه بتلك القبائح والفضائح مانعا من حصول صفة الكمال له والتّجربة يدلّ على انّ الرجل الكامل لا بدّ وان يكون مبتلى بهذه الأحوال . واما ان كان مساويا لغيره فالوحدانية صفة كمال وصفة الكمال محبوبة لذاتها والشّركة صفة نقص والنقص مكروه لذاته ، وإذا ثبت هذا فالشركاء يسعون بأقصى الوجوه في ابطال الشركة واظهار انه أفضل وأكمل من ذلك الشخص الذي يعتقد فيه كونه شريكا له ، وذلك السعي يكون تارة بالقاء الشبهات في كونه موصوفا بتلك الفضيلة التي فيها وقعت الشركة ، وتارة بادّعاء كونه موصوفا بصفة من صفات القبح والنّقصان ليصير ذلك مانعا من كون ذلك الغير شريكا له في الفضيلة ، وامّا إذا كان أدون حالا من غيره فهذا الشّخص لا يلتفت اليه بل الأطباء قالوا انّه متى صار عضو من الأعضاء ضعيفا فانّ الأعضاء القوية ترسل اليه جميع الفضلات . الخامس ان الإنسان امّا ان يكون في الألم أو في اللّذة ويكون اليا عنهما ، فإن كان في الألم والمضرّة فلا شك انه حالة منفردة مكروهة ، وان كان في الخيرة واللّذة فلا شك انّه عالم بأحوال هذه الدنيا غير باقية بل هي سريعة الزوال مشرفة على الأنقراض والأنقضاء فكلما كانت الحالة التي يكون الإنسان فيها ألذّ وأطيب كان خوف الزوال أشدّ ايلاما للقلب وأعظم تأثيرا في هذا المعنى ، وامّا ان كان الإنسان خاليا عن الألم واللّذة فانّه يكون كالمعطل الباطل وهذه الحالة مكروهة ، وهذا الوجه مجرب عند العقلاء وأشارت اليه الشعراء حتى أن بعضهم طلب أيام الفراق وكره ايّام الوصال لعدم دوام حالات الزمان وأموره . السادس انّ شعور الإنسان بالكيفيات المحسوسة انّما يكون حال حدوثها له امّا حال بقائها فلا شعور بها فاللذات الحاصلة من هذه المحسوسات لا يحصل في حال الشعور بها وحال حصول الشعور بها ليس الا حال حدوثها ينتج ان الألتذاذ بهذه المحسوسات لا يحصل الا حال حدوثها فإذا لم يحصل الألتذاذ في حال البقاء والطّبع طالب اللذة صار طالبا لشيء آخر فعلى هذا لو انّ الإنسان ملك خزائن الأرض كلها فإلتذاذه بها لا يكون الا حال حدوثه ثم عند الفراغ يطلب شيئا آخر ويحاول تحصيل الزيادة وبسبب ذلك الطلب والحرص يحصل في قلبه ألم الشّوق ومضرة الطلب ، فثبت انّ هذا البلاء ممّا لا سبيل إلى دفعه . السابع ان الإنسان إذا فتح باب الحرص على نفسه فقد ينتهي ذلك إلى أن يصير طالبا للجمع بين الضدين ومثاله انّ القدرة صفة كمال وهي محبوبة بالذات والاستغناء عن الغير صفة كمال فتكون محبوبة بالذات ، إذا عرفت هذا فنقول : انّ الرجل إذا مال إلى طبعه إلى السخاوة والجود فهذه السخاوة من حيث إنها تدل على انّ قلبه غير ملتفت إلى حب المال صارت كأنها