السيد نعمة الله الجزائري
84
الأنوار النعمانية
مطلوبة ومن حيث إنها تقضي خروج المال من يده وخروج المال عن اليد يوجب نقصانا في القدرة الحاصلة بسبب المال والنقصان في القدرة مكروه صارت السخاوة من هذه الجهة مكروهة منفردة وجميع الخلق موصوفون بهذه البليّة ، ولأجل ميل الطبع إلى حصول المدح والثناء والتعظيم يحبون الجود والسخاوة ، ولأجل فوت القدرة الحاصلة بسبب ذلك المال يبغضونه ، فلهذا السبب بقي كل الخلق في موقف المعارضة والترجيح ، فمنهم من ترجّح عنده ذلك الجانب فيبذل المال ، ومنهم من المعارضة والترجيح ، فمنهم من ترجّح عنده ذلك الجانب فيبذل المال ، ومنهم من ترجّح عنده الجانب الثاني فيمنع ، ومنهم من بلغ في الجهالة إلى حيث يريد الجمع بين الوجهين فيعد الناس بالجود والسخاوة والمروّة والكرم طمعا منه في انّه ربّما فاز لهذا المعنى بالمدح والثناء ثم انّه عند حضور الوقت لا يفي به فحينئذ يقع في الفضائح ، وإذا تأملت أحوال أهل الدنيا علمت انّهم بأسرهم داخلون تحت البلاء المتولّد من هذه القضيّة ، اما في الكثير منه أو القليل . الثامن انّ الإنسان امّا ان يسد باب الأنعام على الغير واما ان لا يسده وفي كل واحد من هذين الطّرفين آفات كثيرة ، امّا آفات القسم الأول فأمور : أولها انّ كل من اشتهر عند الناس بالبعد من الخير والنفع أبغضوه ، وكل من صار بغيضا عند الكلّ فوصول الآفة اليه أسرع من كل شيء . وثانيها انّ الناس إذا عرفوا منه تلك الصفة بغضوه ولم يلتفتوا اليه ، وكل من علم من الناس انّهم انّما ينظرون اليه بعين المقت والإزراء فانّه يضيق قلبه وتتألم روحه ، وثالثها انّه إذا لم يظهر منه خير صار كالجماد وكالعدم وهذه حالة منفردة جدا . وامّا القسم الثاني فآفاته كثيرة أيضا منها انّ ايصال الخير إلى الكل محال فلا بد من ايصاله إلى البعض دون البعض وذلك يصيره سببا للعداوة الشديدة فانّه يقول له لم منعتني خيرك وأوصلته إلى غيري ، ومنها انّ الذي وصل اليه الخير مرّة يلتذّ بذلك الخير والألتذاذ سبب للطلب فيبقى ابدا طامعا في ذلك الرجل وايصال الخير اليه في كل حين وساعة متعذر فيصير ذلك سببا للعداوة الشديدة ، ولهذا قيل اتق شر من أحسنت اليه ، ومنها انّ المقدار الذي وصل اليه من الخير يصير معتادا بالوفاء ويصير كالأمر المستحق فيقع في قلبه طلب الزيادة عليه فيصير ذلك سببا قويا في العداوة ، فثبت ان على التقديرين أعني باب سدّ الخيرات وفتحها لا يسلم الإنسان عن الضرر ، وللإشارة إلى هذه الأحوال قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لقريش لا تسعوا الناس بأموالكم ولكن سعوهم بأخلاقكم .