السيد نعمة الله الجزائري

82

الأنوار النعمانية

لذاتها ، فثبت انّ طبع كل أحد يحمله على أن يكون هو الرئيس لغيره وهو المتصرف في غيره ، وان يمنع غيره من أن يكون رئيسا حاكما عليه ، وإذا كان كذلك فالساعي في تحصيل الرئاسة لذلك الإنسان المعين ليس الّا ذلك الإنسان ، واما كل من سواه فإنهم يسعون في إبطال تلك الرئاسة وفي اعدامها وإذا كان كذلك فذلك الإنسان الواحد هو السّاعي في حصول تلك الرئاسة ، واما جميع أهل المشرق والمغرب فكلهم يسعون في ابطالها ودفعها واعدامها ، والمطلوب الذي يقل السّاعي في تحصيله ويكثر الساعي في ابطاله يكون صعب الحصول جدا ، وكل ما كان كذلك كان السّعي في طلبه منشأ للهموم والأحزان وكان العقل مانعا من طلبه وحاكما بوجوب الأحتراز عنه . واما أعوان السلاطين وأشباههم فهم انّما يحبون الرئاسة للسلطان إذا علموا تعذر الوصول إليها مع انّ سعيهم انّما هو في نفع أنفسهم ولأجل طلب الرئاسة على غيره . الثاني انّ الرئاسة لا تقف على حد فقبل الوصول إليها هو في ألم طلبها فإذا فاز بها يكون في ألم طلب الزيادة عليها حتى ينصرف ( يصرف ظ ) عمره في ألم الطّلب كما هو المشاهد من أحوال الحكّام والسلاطين . الثالث انّ الشيء كلّما كان ألذّ كانت الرغبة في تحصيله أشد ( أكثر ظ ) وكانت الرغبة في إزالة العوائق عنها أشد وحصول الرئاسة للغير من أشد الأشياء عائقا عن حصولها فكانت الرغبة في ابطال ذلك العائق أعظم الرغبات ، فثبت ان كل من رغب في تحصيل الرئاسة فقد رغب الناس في قتله وقوى ميلهم إلى افنائه وابطاله ، ومن شاهد الأمراء والملوك عرف انّ الأمر هكذا ، لكن من المعلوم انّ الحياة أصل لجميع النعم والرئاسة فضيلة زائدة ، فكلما كان السعي في طلب هذه الفضيلة الزائدة يوجب السعي في ابطال الأصل كان باطلا لأنّ كلّ فرع أفضى إلى بطلان الأصل كان باطلا . الرابع انّ الإنسان اما يمون أفضل من غيره أو مساويا له أو أقل حالا منه فإن كان أفضل من غيره فكونه أفضل حالة مكروهة لذلك الغير فذلك الغير يسعى بكل ما يقدر عليه في ابطال تلك الفضيلة عن الراجح ، فإن كان ذلك الرجحان بصفة قابلة للزوال مثل كونه ملكا حاكما فالأعداء يسعون في ابطالها وازالتها بأقصى ما يقدرون عليه ، وان كان ذلك الرجحان بصفة لا يمكن ازالتها مثل العلم فهيهنا للأعداء طريقان : أحدهما انّهم ان أمكنهم اخفاء تلك الفضيلة بطريق من الطرق فعلوه ، وذلك بإلقاء الشّبهات في كلامه وتشويش دلائله .