السيد نعمة الله الجزائري
79
الأنوار النعمانية
الأول انّها فانية فيجب على العاقل اجتنابها ، فهو إشارة إلى انّها في نفسها لذيذة وطيّبة لكنها فانية . الثاني قولهم انّ طيّباتها ممزوجة بالألآم وراحتها بالكدورات ، وهذا أيضا كالأول إشارة إلى انّ فيها لذات طيبة لكن المانع للعاقل من ارتكابها ذلك المزج . الثالث قولهم انّ الأراذل من الناس مشاركون الأفاضل في هذه اللّذات والراحات بل يزيدون عليهم فيها أضعافا كثيرة حتى انّ العقلاء قد تحيّروا في هذا فقالوا : كم عاقل أعيت مذاهبه * وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا هذا الذي ترك الأوهام حائرة * وصير العالم النّحرير زنديقا والأنصاف انّ صاحب هذا البيت وأمثاله لم يتفكروا في صنع اللّه تعالى ولم يدروا انّ الأرزاق على قسمين ، قسم منها ما هو رزق للرّوح كالعلوم والمعارف ، وقسم منها ما هو رزق للبدن كالمأكل والملابس والمناكح ، فمن رزق من الأوّل حرم من الثاني وكذا العكس ، فمن أرادهما معا كان عديم الأنصاف ، ولو نظرت إلى جاهل جمع من الأموال ما لا يحصى وأراد ان يبدلك ماله بعلمك حتى يكون لك جهله وحماقته لما رضيت ولما قبلت وإذا كان الحال على هذا المنوال فلا ينبغي ان يصير العالم النّحرير زنديقا . وبالجملة فقول الأكابر ذلك يدل على انّ حالات الدنيا وان كانت لذّات لكن يجب تركه لرذالة الشركاء ودنائتهم ، وأمّا الحكماء فإنهم قالوا إن هذه الأحوال ليست في أنفسها سعادات ولا خير بل هي أحوال خسيسة ومطالب دنيّة في ذواتها ، وإذا كان الأمر كذلك فيكون الكلام دائر على امرين ، أحدهما ان تلك الأحوال خسيسة في نفسها ، وثانيها انّها وان كانت أحوالا شريفة الّا انّه يلزمها لوازم مكروهة ، امّا بيان الأمر الأول فيجيء على أنواع . النوع الأول أنّا رأينا الإنسان كلما كثر جوعه كان التذاذه بالأكل أتمّ ، وكلّما كان عهده بالوقاع أطول كان التذاذه أيضا به أكمل ، ولا شك انّ الجوع والاحتياج إلى الوقاع ألمان شديدان فلمّا رأينا انّه كلّما كانت هذه الألام أشدّ كان دفعها ألذّ وأطيب غلب على الظّن انّه لا معنى لهذه اللذات والرّاحات الّا مجرّد دفع تلك الألام السّابقة ، ألا ترى انّ من جلس في الحمام الحار وغلب استيلاء الحرارة عليه فإذا فتح الباب ودخل عليه نسيم بارد فانّ الإنسان يستلذّ ذلك الهواء البارد استلذاذا في الغاية وما ذلك الّا لأنّه عظم تألّمه بسبب الهواء الحارّ في الحمام ، فلما وصل اليه النسيم البارد زال عنه تلك الحرارة المؤلمة فعلم منه انّه لا حاصل لتلك اللّذات الحسية الّا دفع تلك