السيد نعمة الله الجزائري

80

الأنوار النعمانية

الألام ، فيدلّ على انّ هذه الأحوال التي يتخيل انّها لذات في أنفسها ليست لذات بل لا حاصل لها سوى دفع تلك الألام . الثاني انّ مع المعلوم بالبديهة انّه كلّما كان شهوة الفوز بالشيء أقوى وأكمل كانت اللّذة الحاصلة بسبب وجدانه أقوى وأكمل ، فإن لم تحصل تلك الشهوة لم تحصل اللذة بوجدانه ، ألا ترى انّ من رمى قلادة الدّر إلى الكلب والعظم إلى الإنسان فانّه لم تحصل اللّذة لواحد منهما ، وإذا عكس حصلت اللّذة فثبت انه كلما كانت الحاجة إلى الشيء أشدّ كان الفوز به ألذّ ، فثبت انّ مقدار اللّذة الحاصلة في الحال مساوية لمقدار المضرة الحاصلة بسبب الاحتياج اليه في الماضي ، وإذا كان الأمر كذلك فحينئذ تتقابل اللّذة الحاصلة في الحال بالألم الحاصل في الماضي وإذا تقابلا تساقطا فصار كأنّه لم يوجد . الثالث في بيان انّ هذه اللّذات الحسية خسيسة جدا وذلك انّها بأسرها لا تحصل الّا بواسطة مخامرة رطوبات عفنة مستقذرة ، امّا لذّة الأكل فالأمر فيها ظاهر لأنّ الإنسان لا يلتذ بالطّعام الّا إذا وضعه في فمه ولا شك انّ ذلك الطعام يمتزج بريق الفم ويختلط به وهو في نفسه شيء مستقذر ، والدّليل عليه انّ تلك اللقمة الممضوغة لو سقطت من الفم فانّ الإنسان يستقذرها ولا يمكنه ان يردّها إلى فمه ، وذلك يدل على انّ اللذة الحاصلة من الطعام لا تحصل الّا عند انعجان ذلك الطّعام واختلاط اجزائه بتلك الرطوبات المستقذرة فهذا يدلّ على انّ العاقل انّما يقدم على الأكل لا لأنه يعدّه سعادة وبهجة بل لأجل انّه خلق محتاجا اليه ولولا احتاج اليه لما قدم عليه ، وقد انشد عبد القاهر النّحوي هذا البيت : لولا قضاء جرى نزّهت انملتي * عن أن تلمّ بمأكول ومشروب وامّا لذة الجماع فخاستها اظهر من أن تحتاج إلى البيان ، والدليل عليه انّ أخسّ أعضاء الإنسان هذه الأعضاء المخصوصة ولذلك سترها اللّه تحت الثياب وان أظهروا غيرها وهذه الأعضاء لا تفيد اللّذة الّا عند الممّاسة والتلطّخ بتلك الرّطوبات المتولّدة في داخل الأعضاء وتمام اللّذة انّما يحصل بانفصال النّطفة وهي أيضا رطوبة عفنة فلا تكون من جنس الخيرات والسعادات بل يكون الإنسان كالمضطرّ إليها فإذا دفع تلك الآلام والإرجاع استراح فيظنّ انّها خيرات ولذّات وليس كذلك ، ولذلك ترى الإنسان إذا فرغ من الجماع اخذه فتور البدن وضعف القوة وندم على ما فعل ، وكان رجل من الظّرفاء يقول لو حصل عندي الشاهدان العادلان عند فراغي من الجماع لطلّقت زوجتي للكراهة الحاصلة لي بعد قضاء الوطر منها . الرابع في خساسة تلك الأحوال انّ العقلاء إذا رأوا رجلا أكولا ذمّوه ونسبوه إلى طبيعة الحيوانات ، اما إذا قلل الأكل والشّرب عظّموه ونسبوه إلى طبيعة الملائكة .