السيد نعمة الله الجزائري
78
الأنوار النعمانية
لظهورها في بادي الرأي ، ثم إذا توغل فيها وقضى وطره منها سمت نفسه إلى المرتبة الثانية وهي حب الرئاسة ونفوذ الأمر والنهي ، فإذا توغل فيها ورزق الوقوف على ما فيها من الآفات والبليات ترقى منها إلى الثالثة وهي العالية الحاصلة من ادراك حقائق الأشياء كما هي بقدر الطّاقة الشّبرية فلنتكلم في كل واحدة من هذه اللّذات وما تشتمل عليه ليظهر لك ما ذكرناه في عنوان النور . القسم الأول الكلام في اللّذة الحسيّة اعلم انّ مطالب الخلق من الأحوال المخصوصة ( المحسوسة ) محصورة في نوعين أحدهما دفع الألم والثاني تحصيل اللّذة ، اما دفع الألم الحسيّة فقد توصلوا اليه بطرق أحدهما لبس الثّياب وذلك لأن جلد الإنسان لطيف يتأثر من الحر والبرد فاحتاج إلى دفع هذا الألم إلى لبس الثياب وبالحقيقة لبس الثواب ضرر لأنه اتعاب للبدن لكن لبس الثوب يدفع مضرة أعلى من هذه المضرة كما عرفت ، فهو من باب دفع الضرر بالضّرر ، ومثاله ما حكي انّ بعض الناس دخل على إبراهيم بن سيّار النّظام المتكلم فرأى في يده قدحا من الدّواء المرّ فسأله عن حاله فأنشد : أصبحت في دار بليّات * أدفع آفات بآفات وثانيها بناء الدّور والمساكن والمقصود منه انّ الإنسان خلق في ممرّ الآفات ، فإذا كان بغير بيت خاف على نفسه وماله وولده ومن يعنوه فإذا بنى البيت أمن من تلك الآفات ، واما الذي يترتب على بناء البيت من التعب وبذل ماء الوجه ومعاداة الجيران والتّوصّل منه إلى إعانة الظالمين فظاهر فهذا أيضا من باب دفع آفة بآفة فلا لذّة فيه فان قلت قد يكون مع الإنسان من الثّياب ما يدفع الحر والبرد فيتأنّق في لبس الثّياب الفاخرة تحصيلا للذّة لا لدفع الألم ، وكذا القول في البيوت وبنائها فلا يكون من باب دفع الألآم ، قلت إذا تأملت حقّ التأمل ترى هذا أيضا من ذاك وذلك لأنّ لبس الثوب الفاخر انّما يكون بعد منازعة النفس وطلبها إيّاه وتشوّقها عليه وتعبها في طلبه فيكون هذا ألما نفسانيّا يدفع بتلك الثّياب الفاخرة ، ومن ثمّ لو لبس الأغنياء الثّوب الفاخر انما يكون بعد منازعة النفس وطلبها ايّاه وتشوقها عليه وتعبها في طلبه فيكون هذا ألما نفسانيّا يدفع بتلك الثياب الفاخرة ، ومن ثم لو لبس الأغنياء الثوب الثّوب الفاخر لمن هو أدنى منهم لم يلتذّوا عند لبسه ، وكذا في جانب المأكل والمسكن والمنكح وما ذاك الّا لأنّ نفوسهم لم تطلبه منهم ولم تنازعهم على تحصيله ، ومن ثمّ لمّا كانت ملاذّ الجنة تحصل بمجرد الخطور في البال من غير مجاذبة مع النّفس فتكون لذة محضة لا دفع ألم حسّي ونفسي . وامّا الطرق الموصلة إلى تحصيل اللّذات فهي قضاء شهوة البطن وقضاء شهوة الفرج ، وقبل ان نبين ما فيها من الدناءة والخسة والإهانة والتّشبه بالبهائم نذكر مقدّمة : وهي انّ البلغاء والأكابر إذا أراد الخوض في تحقير الدنيا يرجع حاصل كلامهم إلى أمور :