السيد نعمة الله الجزائري

69

الأنوار النعمانية

وبالجملة فالعاقل من تفكر في كلام أمير المؤمنين عليه السّلام فإنه كان عارفا بداء الدنيا ودواءها ومن ثم قال أبو جعفر عليه السّلام كان أمير المؤمنين عليه السّلام بالكوفة إذا صلى العشاء الآخر ينادي ثلاث مرات حتى يسمع أهل المسجد أيها الناس تجهزوا رحمكم اللّه فقد نودي فيكم بالرحيل فما التعرج على الدنيا بعد النداء فيها بالرحيل تجهزوا رحمكم اللّه وانتقلوا بأفضل ما بحضرتكم من الزاد وهو التقوى ، واعلموا ان طريقكم إلى المعاد وممركم على الصراط ، والهول الأعظم أمامكم وعلى طريقكم عقبة كئود ومنازل مهولة مخوفة لا بد لكم من الممر عليها والوقوف بها فأما برحمة من اللّه فنجّاه من هولها وعظّم خطرها وفضاعت منظرها ومختبرها واما بهلكه ليس لها بعدها انجبار واي مثل للدنيا أعظم من أمثاله سبحانه وله الأمثال العليا قال في سورة الحديد أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مالي والدنيا انما مثلي والدنيا كمثل راكب قال ( من القيلولة ) في ظل شجرة في يوم صيف ثم راح وتركها . وفي وصية لقمان لأبنه على ما قال الصادق عليه السّلام ان الدنيا بحر عميق قد غرق فيه عالم كثير ، فلتكن سفينتك فيها تقوى اللّه ، وحشوها الأيمان وشراعها التوكل وقيمها العقل ودليلها العلم وسكانها الصبر ومن أجل هذا ورد الحث على التفكر لأنه يؤدي إلى مقت الدنيا والرغبة عنها ، وروى الحسن الصيقل قال سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عما يروي الناس تفكر ساعة خير من قيام ليلة ، قلت كيف يتفكّر قال يمر بالخربة أو بالدار فيقول اين ساكنوه اين بانوه مالك لا تتكلمين ، وقال الرضا عليه السّلام ليس العبادة بكثرة الصلاة والصوم انما العبادة التّفكر في امر اللّه عز وجل وذلك ان بالتّفكر يقصر الأمل فإذا قصر الأمل كثر العمل وأقوى أسباب حب الدنيا والميل إليها انما يجيء من جهة طول الأمل فان الأمل يزيد على العمر بكثير . روي عن ابن مسعود قال خط النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ربعا وخط خطا في الوسط خارجا منه وخط خططا صغارا إلى هذا الذي في الوسط ، فقال هذا الإنسان وهذا أجله محيطا به وهذا هو الخط الذي هو خارج أمله وهذه الخطط الصغار الأغراض فانى أخطأه هذا نهشه هذا وهذه صورته :