السيد نعمة الله الجزائري

63

الأنوار النعمانية

العلو والثّروة فصرن سبع خصال ، فاجتمعن كلّهن في حب الدنيا ، فقالت الأنبياء والعلماء بعد معرفة ذلك حب الدّنيا رأس كل خطيئة ، والدّنيا دنياء ان دنيا بلاغ ، ودنيا ملعونة . وبالجملة فهي سبب لكل المعاصي ، قال الصادق عليه السّلام انّ الشيطان يدير ابن آدم في كل شيء فإذا أعياه جشم له « 1 » عند المال فإذا أخذ ( فأخذ ) برقبته ، وامّا جمع المال بقصد التّوسعة على العيال والأخوان وان كان هذا كما عرفت ليس من أمور الدنيا الا انّ الأولى ان يقتصر على هذه النّية ، ففي الحديث انّ المؤمن إذا قال إن آتاني اللّه مالا أفعل كذا وكذا من أمور الخير أعطاه اللّه ثواب ما نواه وان لم يعطه المال ليفعله ، امّا إذا وجد بالسّعي وحصل ذلك المال فهو فيه على أخطار . منها انّ المال الكثير قلّما يجتمع من حلال كما قال الصادق عليه السّلام ما اجتمعت عشرة آلاف من حلال قط ، ومنها انّه عند اجتماعها كثيرا ما يعرض له اهمال الحقوق الواجبة كما قال عليه السّلام لا تتعرّضوا لجمع الأموال فانّه كلّما كثرت الأموال كثرت الحقوق بها ، وإخراج الحقوق عسر جدا لما روي عنه عليه السّلام انّ درهم الصّدقة يفك بين لحيي سبعمائة شيطان كلّهم يعضون عليه بأضراسهم ، ومن ذا الذي يكون له من قوة الأيمان ما يقابلهم الّا القليل . وروي أن رجلا عابدا كان جالسا مع العبّاد فقرأ أحدهم هذا الحديث ، فقال ذلك العابد أنا هذه السّاعة امضي إلى منزلي وأتصدّق بصدقة وأرى كيف الشّياطين تمنعني ، فخرج مبادرا إلى المنزل فدخله وأتى إلى الحنطة وبسط عباه فأخذ بها حنطة يتصدّق بها فرأته زوجته فقالت له اين تريد بهذه الحنطة ونحن في هذه السنة المجدبة ، لعلّك تريد ان تهلك أولادك جوعا ، فسوّلت له الأباطيل حتّى ندم ورمى بالحنطة ، وأتى إلى أصحابه فقالوا له لعلّك تصدّقت بشيء ولعل الشّياطين لم يحضروك ، فقال انّ الشّياطين لم يحضروا ولكن كانت أمّهم حاضرة ، فقامت مقامهم في المنع يعني به زوجته ، ولا شك في انّ الواحدة منهنّ تعادل الآفا من الشّياطين ، ومن هنا قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم شاوروهن وخالفوهنّ ، وكان هو صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يفعل مثل ذلك ، وفي الحديث انّه ما أيس الشّيطان من بني آدم الّا أتاهم من قبل النّساء وهن من أعظم فخوخه ومصائده ، وقد بيّنا سابقا ان كل فتنة وقعت في العالم فانّما جاءت من قبلهنّ ، وذلك ان الفتنة الأولى وهي أكل آدم من الشجرة وإخراجه إلى الأرض انّما جاء من قبل حوّاء لأنّ آدم لمّا يقبل وساوس الشّيطان وسوس إلى حواء فجاءت إلى آدم فكلّمته في أمر الأكل من الشّجرة حتى حملته عليه ، وامّا الفتنة الأخيرة التّي نشأ منها خراب العالم وهي غصب خلافة أمير المؤمنين عليه

--> ( 1 ) جشم الأمر تكلفه على مشقة وتجشم فلانا من بين القوم أي اختاره وقصد قصده .