السيد نعمة الله الجزائري
197
الأنوار النعمانية
وروى أيضا عن المدايني قال خرج الحسن والحين عليهما السّلام ، وعبد اللّه بن جعفر حجّاجا ففاتهم أثقالهم ؛ فجاعوا وعطشوا فموا بعجوز ، فقالوا هل من شراب ؟ قالت نعم ؛ فأناخوا وليس لها إلا شويهة في كسر الخيمة ؛ فقالت إحلبوها وامتذقوا لبنها ، ففعلوا ذلك وقالوا لها هل من طعام ؟ قالت لا إلا هذه الشاة فليذبحها أحدكم حتى أهييء لكم شيئا تأكلون فذبوحها فهيأت لهم طعاما فأكلوه ؛ فلما ارتحلوا قالوا نحننفر من قريش نريد هذا الوجه ، فإذا رجعنا سالمين فألّمي بنا فإنّا صانعون إليك خيرا ثمّ ارتحلوا فأقبل زوجها فغضب على صنعها ، ثمّ بعد مدة ألجأتهم الحاجة إلى دخول المدينة ، فجعلا يبيعان البعر ويعيشان منه فمرت العجوز في بعض سكك المدينة فإذا الحسن عليه السّلام على باب داره جالس ، فعرف العجوز وهي له منكرة ، فبعث له غلامها فردها ، فقال يا أمة اللّه تعرفيني ؟ قالت لا ، قال انا ضيفك يوم كذا ، فقالت العجوز بأبي أنت وأمي فأمر الحسن عليه السّلام فاشترى لها من شاة الصدقة ألف شاة ، وأمر لها بألف دينار وبعث معها غلامه إلى أخيه الحسين عليه السّلام ، فقال بكم وصلك أخي الحسن ؟ فقالت بألف شاة وألف دينار فامر لها بمثل ذلك ؛ ثمّ بعث بها مع غلامه إلى عبد اللّه بن جعفر ، فقال بكم وصلك الحسن والحسين عليهما السّلام ؟ فقالت بألفي دينار وألفي شاة فامر لها عبد اللّه بألفي شاة والفي دينار ، وقال لوبد أبي لأتعيتهما فرجعت العجوز إلى زوجها بذلك وفي بعض كتب العربية انّ شاعرا أتى معن بن زايدة وهو في قصر إمارته فلم يجد إليه سبيلا ، فرأى نهرا يجري إلى داخل القصر ؛ فكتب هذا البيت بقرطاسة ووضعها على خشبة وسيّرها الماء حتى ادخلها القصر ؛ فاتفق أن معنا كان جالسا على شاطيء النهر فرأى الخشبة وعليها القرطاسة ، فأخذها وقرأ ما فيها وهو : أيا جود معن ناج معنا بحاجتي * فليس إلى معن سواك شفيع فخرج من قصره واستدعاه فأتى به فقال أنت الذي كتبت هذا الشعر ؟ فقال نعم ، فأمر له بمائة ألف درهم ؛ فأخذها ومضى إلى الخان ، فلمّا كان اليوم الثاني طلبه واخرج القرطاسة وقرأ ذلك الشعر وأمر له بمائة ألف درهم ، وبقي على هذا الحال خمسة أيّام ، ثمّ أن ذلك الشاعر خاف من ندامته على الدراهم فأخذها ومضى بها إلى البلد فطلبه اليوم السادس ، فقيل له إنّه سافر فقال واللّه إنّ طالع خزانتي أقوى من طالعه فو اللّه لو بقي في البلد لأعطيته كل درهم ودينار في خزانتي ؛ فانظر إلى هذه السخاوة الجيدة . الأمر الثالث في السؤال أنّه لا ينفك عن إيذاء المسؤول غالبا ؛ لأنّه ربّما لا تسمح له نفسه بالبذل عن طيبة قلب فإن بذل حياء من السائل ورياء فلعله يكون حراما على الآخذ ، وإن منع ربما استحى من المنع إذ يرى نفسه في صورة البخلاء ، ففي البذل نقصان ما له وفي المنع نقصان