السيد نعمة الله الجزائري
198
الأنوار النعمانية
جاهه وكلاهما مؤذييان والسائل هو السبب في الإيذاء والإيذاء حرام إلا لضرورة ، وقد اتضح بهذه الأمور الثلاثة معنى قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مسألة النّاس من الفواحش مأحلّ من الفواحش غيرها فسمّاها فاحشة ، ولا شك أنّما الفاحشة تباح عند الضرورة فقط . وقال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من سال عن غنى فإنّما يستكثر من جمر جهنّم ، ومن سأل وله ما يعينه جاء يوم القيامة ووجهه عظم يتقعقع ليس عليه لحم ، وما أحسن قول بعض العارفين بأنّ الفقير إذا أخذ مع علمه بأن باعث المعطي هو الحياء منه أو من الحاضرين ولولاه لما ابتدأه به يكون ذلك الأخذ حراما بلا خلاف فيه بين الأمة وحكمه حكم الآخذ من غيره بالضرب إذ لا فرق بين أن يضرب جلده بسياط الخشب أو يضرب باطن قلبه بسوط الحياء وخوف الملام ، وضرب الباطن أشد نكاية في قلوب العقلاء ؛ ولا يجوز ان يقال هو في الظاهر رضي به ومدار الأحكام الشرعية على الظواهر ، لأن الفرق بين الصورتين ظاهر لا يخفى ، نعم الاطلاع على البواطن عسر جدا لأن السائل ربما ظن أن المعطي راض وهو غير راض ، ومن جهة هذا ترك المتقون السؤال رأسا ؛ ولكن قرائن الأحوال ربما أطلعت السائل على بواطن بعض النّاس دون البعض ، فإذا احتاج إلى السؤال فلا يسأل إلا من قامت له القرينة على حسن باطنه وإنّ عطاءه خال من الأمور ، اما إذا علم السائل أو الوالي بأن المعطي إنّما أعطاه لفقره أو لإضطراره الشديد كأن لا يجد طعام ليلة أو أكثر أو أقل وكان عنده أزيد مما ظنّ به المعطي وأعطاه لتلك الحالة فقد جزم أهل التحقيق بأنّ ذلك الطعام أو المال حرام على السائل ويجب عليها وعلى الوالي أن يرجعه إلى أهله ، فإن لم يعرفوه تصدق لهم به على المساكين أو صرفه في وجه من وجوه مصالح المسلمين ، وينزل أخذ السائل مع إظهار الحاجة كاذبا كأخذ العلوي بقوله إني علوي وهو كاذب ؛ فإنّه لا يملك ما يأخذ ، وكأخذ الصوفي والصالح الذي يعطي لصلاحه وهو في الباطن يقترف معصية لو عرفها المعطي ما أعطاه . واما الشيء الذي يطلبه السائل فهو دائر بين أحوال أربعة أما أن يكون مضطرا إليه أو محتاجا إليه حاجة شديدة أو خفيفة أو لا حاجة به إليه ، أما المضطر إليه كسؤال الجائع عند الخوف على نفسه فهو واجب إلا أن يكون قادرا على الكسب وهو غير مشغول بتحصيل العلم بحيث يستغرق وقته فيه ، وأما الذي لا حاجة به إلى السؤال فسؤاله حرام قطعا ، وأمّا شدة الاحتياج كمن له جبة ولا قميص له تحتها في الشتاء وهو يتأذى بالبرد لكن لا يبلغ تأذيه الضرر فهنا الأولى ترك السؤال ، وإذا سأل هذا ينبغي له الصدق في سؤاله كأن يقول ليس تحت جبتّي قميص والبرد يؤذيني وانا أطيقه ولكن يشق عليّ وأما الحاجة الخفيفة فمثل سؤاله قميصا يلبسه فوق ثيابه عند خروجه ليستر الخروق من ثيابه عن أعين الناس ، ومن يسأل إلإدام وهو قادر على