السيد نعمة الله الجزائري

189

الأنوار النعمانية

عن ذلك الجناب ، وكثاله مثال الرقيب الحاضر في مجلس يجمع العاشق والمعشوق فإن التفت قلب العاشق إلى الرقيب وإلى بغضه واستثقاله فهو في حالة اشتغال قلبه مصروف عن التلذذ بمشاهدة معشوقه ؛ ولو استغرقه العشق لغفل عن غير المعشوق ولم يلتفت إليه ، فكما أنّ النظر إلى غير المعشوق لحبه عند حضور المعشوق شرك في العشق ونقص فيه فكذا النظر إلى غير المحبوب لبغضه شرك فيه ونقص ، ولكنّ أحدهما أخفّ من الآخر ، بل الكمال في أن لا يلتفت القلب إلى غير المحبوب ؛ بغضا وحبّا ، فإنّه لا يجتمع في القلب حبّان في حالة واحدة فلا يجتمع أيضا بغض وحب في حالة واحدة ؛ فالمشغول ببعض الدنيا غافل عن اللّه تعالى كالمشغول بحبها إلا أن المشغول بحبها غافل وهو في غفلته سألك في طريق البعد والمشغول ببعضها غافل لكنه سالك في طريق القرب ، فالكمال له متوقع ؛ ومثالهما كرجلين في طريق الحج مشغولين بعلف الناقة وركوبها لكن أحدهما مستقبل القبلة واليخر مستدبرها ، فكلاهما محجوب عن الكعبة إلا أنّ الأول يرجى له الوصول بخلاف الثاني فالأول حاله محمودة بالنظر إلى الثاني وإن كانت ناقصة بالنسبة إلى من هو مقيم على الإعتكاف في الكعبة ، ولذلك قيل من زهد في الدنيا واقتصر عليه فقد استعجل الراحة ، فظهر من هذا كله أنّ الزهد الذي هو عدم الرغبة في الدنيا كمال بالإضافة إلى الراضي والقانع والحريص نقصان بالنسبة إلى غناء النفس . واعلم أنّ اسم الفقر يطلق على المراتب الخمسة الأولى ؛ وأما السادسة فإن أطلق عليها اسم الفقر فإنما يراد بها الفقر إلى اللّه سبحانه لأنّه معنى من معاني الفقير ، وحينئذ لا منافاة بين قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم اللهم إني أعوذ بك من الفقر ، وقوله كاد الفقر أن يكون كفرا ؛ وبين قوله اللهم أحيني مسكينا وامتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين إذ فقر المضطر هو الذي إستعاذ منه ، والافتقار إلى اللّه عز وجلّ هو الذي سأله ، فلا منافاة . أقول والأولى في رفع المنافاة التفريع على ما سبق ؛ وهو أن من درجات الفقر وإطلاقاته وحالاته الاضطرار وهو شدة ما يحتاج إليه من الأموال والمعايش ومنه أيضا درجة الرضا ؛ وهو كما عرفت أن يكون بحيث لا يرغب منه ولا يكرهه ، فيكون كل واحد من الحديثين منزّلا على درجة من درجات الفقر . أمّا حديث الإستعاذة من الفقر فهو منزّل على درحة الاضطرار ، فإنّ الإنسان ربما لم يقدر معها على القيام بوظائف العبودية كما تقدم من أنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم جاع في بعض أوقاته فاضطجع على قفاه ولم يتمكن من القيام للصلاة ، فكان يقول اللهم إني أعوذ بك من جوع يضجعني على الفراش وينسيني ذكرك ، وهذا المعنى هو المراد من قول مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام صارعت كل شيء فغلبته ، وصارعني الفقر فغلبني .