السيد نعمة الله الجزائري

188

الأنوار النعمانية

امّا الفقر فهو عبارة عن إنزواء الدنيا عن العبد وأمّا الزهد فهو إنزواء العبد عن الدنيا ، وأمّا التوكل فهو تفويض العبد أموره إلى مولاه بعد أن فعل ما أوجب عليه من الأسباب ، وذلك كقول الصادق عليه السّلام التوكل أن تعقل بعيرك ثمّ تقول توكلت على اللّه في حفظه ، يعني لا يكون إعتمادك في حفظه على العقال ، فكم من جمل قد سرق بعقاله ، ولا تترك العقال اعتمادا على التوكل فإنّ العقال جزء من مفهوم التوكل ومن أكمل شروطه ؛ فأمّا الفقر فهو فقد ما هو محتاج إليه ، فأمّا فقد ما لا حاجة إليه فلا يسمى فقرا ، فدل كهذا على أنّ ماسى اللّه فهو فقير لإحتياجه إليه في دوام الوجود ؛ فالغنى المطلق ليس إلا هو تعالى شأنه ؛ والذي أردنا بيانه هنا هو الاحتياج إلى المال وفاقده يدور على خمسة أحوال : الأولى وهي العليا أن يكون بحيث لو أتاه المال لكرهه وتأذّى به وهرب من أهله مبغضا له ، وهذا هو الزهد ، الثانية أن يكون بحيث لا يرغب فيه ولا يكرهه وهذا هو الرضا ، الثالثة أن يكون وجود المال أحب إليه من عدمه لرغبته له فيه ولكن لم تبلغ رغبته لأن ينهض بل إن أتاه من غير طلب أخذه ، وهذا يسمى قانعا إذ أقنع نفسه بالموجود حتى ترك الطلب . الرابعة أن يكون تركه للطلب لعجزه وإلا فهو راغب فيه رغبة لوجود سبيلا إلى طلبه ولو بالتعب لطلبه ؛ وصاحب هذه الحالة يسمّى الحريص ، الخامسة أن يكون ما فقده من المال مضطرا إليه كالجائع الفاقد للخبز ؛ وتسمى هذه لحالة مضطرا . فأعلى هذه الأحوال هو الزهد ، نعم إذا انضمّ الزهد إلى الاضطرار كان هو الأعلى ؛ وفوق هذه الحالات كلها حالة أخرى أعلى من الزهد : وهي أن يستوي عنده وجود المال وفقده ، وتسمى هذه الحالة غناء النفس وهي التي أشار إليها المسيح عليه السّلام بقوله خادمي يداي ، ودابتي رجلاي ، وفراشي الأرض ووسادي الحجر ، ودفئي في الشتاء مشارق الأرض وسراجي بالليل القمر ، وأدامي الجوع ، وشعاري الخوف ، ولباسي الصوف ، وفاكهتي وريحانتي ما أنبتت الأرض للوحوش والأنعام ، أبيت وليس لي شيء ؛ وأصبح وليس لي شيء ؛ وليس على وجه الأرض أحد اغنى مني ، والزهد الذي هو أعلى درجة الأبرار ذنب بالنسبة إلى صاحب هذه المرتبة السادسة ، لقول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حسنات الأبرار سيئات المقربين . وقد حقق هذا المعنى بعض أرباب القلوب بأنّ الكاره للدنيا وهي درجة الزهد مشغول بكراهتها كما أنّ الراغب فيها مشغول بها ، والشغل بما سوى اللّه حجاب عنه ، لأنّ لا حجاب بينك وبينه سوى شغلك بغيره ، كما قال عليه السّلام يا من كان الحاجب للعباد عنه هم العباد ، يعني به أنّ الحاجب للعباد عن اللّه سبحانه هو أنفسهم وما أقترفوه من المعاصي وأتوا به من الشغل بغيره ؛ فكل مشغول عن اللّه بغيره سواء كان يحب الدنيا أو يبغضها يكون ذلك الشاغل حاجبا له