السيد نعمة الله الجزائري

160

الأنوار النعمانية

إذا كان سروره بالمصيبة كسروره بالنعمة ، وقيل لها يوما كيف شوقك إلى الجنة ؟ فقالت الجار ثم الدار . الأمر السادس في البكاء كاعلم ان البكاء بمجرّده غير مناف للصبر ولا للرضا بالقضاء وانّما هو طبيعة بشرية وجبلة انسانية ، فلا حرج في ابرازها ما لم تشتمل على أحوال تؤذن بالسخط وتذهب بالأجر : من شق الثوب ولطم الوجه وضرب الفخذ وغيرها واوّل من بكى آدم عليه السّلام على ولده هابيل ورثاه بأبيات مشهورة قد تقدّمت وان خفي شيء فلا يخفى حال يعقوب عليه السّلام فانّه بكى حتّى ابيضّت عيناه . وعن مولانا الصادق عليه السّلام قال انّ زين العابدين عليه السّلام بكى على أبيه أربعين سنة صلئما نهاره وقائما ليله ، فإذا حضر الإفطار جاء غلامه بطعامه وشرابه فيضعه بين يديه ، فيقول كل يا مولاي ، فيقول قتل ابن رسول اللّه جائعا ، قتل ابن رسول اللّه عطشانا ، فلا يزال يكرر ذلك حتى يبل طعامه من دموعه ، فلم يزل كذلك حتى لحق باللّه عزّ وجلّ . وروي عن بعض مواليه انّه قال برز يوما إلى الصحراء فتبعته ، فوجدته قد سجد على أحجار خشنة ، فوقفت وانا اسمع شهيقه وبكاه وأحصيت عليه ألف مرة وهو يقول كلا اله الا اللّه حقّا حقا ، لا اله الا اللّه تعبّدا ورقا ، لا اله الا اللّه ايمانا وصدقا ، ثم رفع رأسه من سجوده وانّ ( فإذا خ ) لحيته ووجهه قد غمرا بالماء من دموع عينيه ، فقلت يا سيدي أما آن لحزنك ان ينقضي ، لبكائك ان يقل ؟ فقال لي ويحك انّ يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم كان نبيّا ابن نبي وله اثنى عشر ولدا فغيّب اللّه واحدا منهم فشاب رأسه من الحزن واحدودب ظهره من الغم وذهب بصره من البكاء وابنه حي في دار الدنيا وأنا رأيت أبي وأخي وسبعة عشر من أهل بيتي صرعى مقتولين فكيف ينقضي حزني ويقل بكائي . وعن جابر بن عند اللّه رضي اللّه عنه قال أخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بيد عبد الرحمن بن عوف فأتى إبراهيم وهو يجود بنفسه ، فوضعه في حجره فقال له يا بني انّي لا أملك لك من اللّه شيئا ، وذرفت عيناه ، فقال له عبد الرحمن يا رسول اللّه تبكي أما أنت نهيتنا عن البكاء ؟ فقال انّما نهيت عن النوح وعن صوتين أحمقين فاجرين : صوت عند نغمة لعب ولهو ومزامير شيطان ، وصوت عند مصيبة خمش وجوه ، وشق جيوب وزنه شيطان انّما هذه رحمة ، ومن لا يرحم لا يرحم ، لولا انّه أمر حق ووعد صدق وسبيل نائبة ( ثابتة خ ) وانّ آخرنا سيلحق أوّلنا لحزنّا حزنا أشدّ من هذا ، وانّا بك لمحزونون تبكي العين وتدمع القلب ولا نقول ما يسخط الرب عز وجل .