السيد نعمة الله الجزائري

143

الأنوار النعمانية

قال الصادق عليه السّلام ولد واحد يقدمه الرجل أفضل من سبعين ولدا يبقون بعده يدركون القائم عليه السّلام ، واعتبر المثل وهو انّه قيل انّ رجلا فقيرا معه ولد عزيز عليه وعليه خلقان الثياب قد اسكنه في خرب مقفرة ذات سباع وحيّات ، فاطلع عليه رجل حكيم ذو ثروة وقصور عالية ، فأرسل اليه بعض غلمانه رحمة له ، وقال له انّ سيدي يقول لك انّي رحمتك من هذه الخربة ورحمت ولدك وقد تلطّفت عليك بهذا القصر ، ينزل به ولدك ويوكل عليه جارية كريمة تقوم بخدمته إلى أن تقضي أنت اغراضك وتجيء اليه وتسكن معه ، فقال ذلك الرجل انا لا ارضى بمفارقة ولدي لا لعدم وثوقي بمولاك بل اعتقد انّه صادق ولكن طبعي اقتضى ذلك ، وما أريد ان أخالفه فما كنت ايّها السّامع تقول هذا الرجل تعدّه من الأغبياء فلا تقع في خلق لا ترضاه لغيرك . واعلم أن لسع الأفاعي وأعظم آفات الدنيا لا نسبه لها إلى أدنى هول من أهوال الآخرة ، فما ظنّك بتوبيخ يكون مقداره ألف سنة أو أضعافه ، ومنها انه ينبغي ان يفكر في انّ الجزع يشتمل على عدم الرضاء بالقضاء ، وفي ذلك التعرض لذمّ اللّه تعالى حيث قال لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي فليعبد ربا سواي ، وقال موسى عليه السّلام دلّني على امر فيه رضاك ، قال انّ رضائي في رضاءك بقضائي ، وأوحى اللّه تعالى إلى داود عليه السّلام يا داود تريد وأريد وانّما يكون ما أريد فان سلّمت لما أريد كفيتك ما تريد ، وان لم تسلم لما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون الّا ما أريد . ومنها ان ينظر صاحب المصيبة إلى انّه في دار قد طبعت على الكدر والعناء وجبلت على المصائب والبلاء فما يقع فيها من ذلك فهو بموجب طبيعتها ، وان وقع خلاف ذلك فهو على خلاف العادة ، وقد نزل على الأولياء من المحن والشدائد ما تعجز عن حمله الجبال وقال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل ، كيف لا وهي سجن المؤمن وجنّة الكافر ، ومتى حصل فيهم محبوب كانت آلامه تزيد على لذاته بأضعاف مضاعفة ، وأقل حسراته الفراق الذي يفتّ الأكباد ، فكلما نظرت في الدنيا انّه شراب فهو سراب ، وعماراتها وان علت إلى خراب : له ملك ينادي كلّ يوم * لدوا للموت وابنوا للخراب وفي الحديث انّ عبادي يطلبون مني ما لا أخلقه وهو الرّاحة في الدنيا ، ويدعون طلب ما خلقته وهو النّعيم المقيم ولقد أحسن بعض الفضلاء حيث رثى ابنه : طبعت على كدر وأنت تريدها * صفوا من الأقذار والأكدار ومكلّف الأيّام ضد طباعها * متطلب في الماء جذوة نار