السيد نعمة الله الجزائري

105

الأنوار النعمانية

الإنسان ظلمة إلى وجه المرآة الصقيلة ، فان تراكمة ظلمة الشهوات ، صارت رينا كما قال تعالى كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ . وإذا تراكم الرين صار طبعا على القلب كالخبث على وجه المرأة ، ولا يكفي في إزالة اتباع ، ( اطباع خ ) تلك الشهوات تركها في المستقبل ، بل لا بدّ من محو تلك الآثار التي انطبعت في القلب ، كما لا يكفي في ظهور الصورة في المرآة قطع الأنفاس والبخارات المسودة لوجهها في المستقبل ما لم يشتغل بمحو ما انطبع فيها من الآثار ، وكما يرتفع إلى القلب ظلمة من المعاصي والشهوات فيرتفع اليه نور من الطاعات ، فيمحي ظلمة المعصية بنور الطاعة ، واليه الإشارة بقوله عليه السّلام اتبع السيّئة الحسنة تمحها ، فاذن لا يستغني العبد في حال من الأحوال عن محو آثار السيّئات عن قلبه بمباشرة حسنات تضادها وهذا الواجب ليس من باب الواجب الشرعي الذي يلزم من وجوبه في كل الأوقات تعطيل المعائش والمكاسب وخراب الدنيا ، بل هو الواجب المعنى الثاني وهو الوجوب الشرطي كما يقال الوضوء واجب لصلاة النافلة يعني لا يمكن التوصل إلى فعل النافلة الا به ، فكذا ما نحن فيه ، وهو انّه لا يمكن التوصل إلى درجات المقرّبين الّا به فمن أرادها توصّل إلى تحصيلها به ، ومن رضى لنفسه بالدرجات الناقصة كان كمن اقتصر على الصلاة الواجبة وترك النافلة ، فليس عليه عذاب وانّما حرم من جزيل الثواب . وللنظر إلى هذا رفض الأولياء ملاذ الدنيا بالكلية ، حتى أنه روي أن عيسى عليه السّلام توسّد في منامه حجرا فجاء اليه الشّيطان فقال له أما كنت تركت الدنيا للآخرة ، فقال نعم وما الذي حدث ؟ قال توسدك بهذا الحجر تنعم بالدنيا فلم لا تضع رأسك على الأرض ، فرمى عيسى عليه السّلام الحجر ووضع رأسه على الأرض ، فكان رميه الحجر توبة عن ذلك التّنعم مع انّه ليس واجبا ، وكذلك نبينا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لمّا ثنّي له الكساء الذي ينام عليه فلمّا أصبح قال انّ هذا منعني عن المبادرة إلى القيام للعبادة . ولقد صدق أبو سليمان الداراني حيث قال لو لم يبك العاقل فيما بقي من عمره الا على فوت ما مضى منه في غير الطّاعة لكان خليقا ان يجزيه ذلك إلى الممات ، فكيف من يشتغل فيما بقي من عمره بمثل ما مضى من جهله ، وذلك ان العاقل إذا ملك جوهرة نفيسة وضاعت منه بكى على ضياعها ، فان صار ضياعها سبب هلاكه كان بكاؤه أشد ، وكل ساعة من العمر جوهرة نفيسة لا قيمة لها ولا بدل عنها ، فإذا ضيّعتها في الغفلة فقد خسرت خسرانا مبينا ، روي أن ملك الموت إذا ظهر للعبد اعلمه انّه قد بقي من عمره ساعة ، وانّه لا يستأخر عنها فيبدو للعبد من الأسف ما لو كانت له الدنيا كلها لخرج منها على أن يضم إلى الساعة ساعة أخرى يتدارك تفريطه فيها فلا يجد اليه سبيلا ، وهو أول ما يظهر من معاني قوله عز وجل وحيل بينهم وبين ما يشتهون .