السيد نعمة الله الجزائري

106

الأنوار النعمانية

والى ما ذكرنا من الدرجات أشار ذو النون المصري حيث قال إن اللّه عز وجل عباد نصبوا أشجار الخطايا نصب روامق القلوب ، وسقوها بماء التوبة ، فأثمرت ندما وحزنا فجنوا من غير جنون وتبدلوا من غير عيّ ولا بكم ، وانهم هم البلغاء الفصحاء العارفون باللّه عز وجل ورسوله ، ثم شربوا بكأس الصفا فورثوا الصبر على طول البلاء تولّهت قلوبهم في الملكوت وجالت أفكارهم في حجب الجبروت ، واستظلوا تحت رواق الندم ، وقرأوا صحيفة الخطايا فأورثوا أنفسهم الجزع حتى وصلوا إلى علو الزهد بسلّم الورع ، فاستعذبوا مرارة الترك للدنيا واستلانوا خشونة المضجع حتى ظفروا بحبل النجاة وعروة السلامة ، وسرحت أرواحهم في العلى حتى أناخوا في رياض النعيم وخاضوا في بحر الحياة ، وردموا خنادق الجزع ، وعبروا جسور الهوى حتى نزلوا بفناء العلم ، واستقوا من غدير الحكمة وركبوا سفينة الفطنة ، وأقلعوا بريح النجاة في بحر السلامة حتى وصلوا إلى رياض الراحة ومعدن العز والكرامة ، فانظر رحمك اللّه إلى غاية التوبة وانّها أي غاية . وفي كتاب الشيخ ورام انّ ذا النون المصري قال مررت ببعض الأطبّاء وحوله جماعة من النساء والرجال بأيديهم قوارير الماء وهو يصف لكل واحد منهم ما يوافقه فدنوت منه فسلّمت عليه فردّ عليّ السّلام ، فقلت له صف لي دواء الذنوب يرحمك اللّه ، فأطرق إلى الأرض ساعة وكان الطّيب عاقلا ثم رفع رأسه ، فقال يا فتى ان أنا وصفت لك تفهم ؟ فقلت نعم ان شاء اللّه تعالى ، فقال لي خد عروق الفقر وورق الصّبر ، واهليلج الخشوع وابليلج التواضع ، ألق الجميع في هاون التّوبة ثم اسحقه بدستج التقوى ، ثم ألقه في طبخير التوفيق وصب عليه من ماء الخوف ، وأوقد تحته نار المحبة وحركه بأصطام الحكمة حتى يرغى ، ثم أفرغه في جام الرضا وروحه بمروحة الحمد حتى يبرد ، ثم أفرغه في قدح المناجاة ثم أفرجه بماء التوكل وحركه بملعقة الاستغفار ، ثم اشربه وتمضمض بعده بماء الورع ، فإذا أنت فعلت هذا فانّك لا تعود إلى ذنب ابدا . وهذه التوبة هي التي أشار إليها أمير المؤمنين عليه السّلام في ذلك الحديث فقال عليه السّلام ان العبد ليذنب الذنب فيدخل به الجنة ، قيل كيف ذلك يا رسول اللّه ؟ قال يكون نصب عينيه تائبا فارّا منه حتى يدخل الجنة ، وروي أنه كان في بني إسرائيل شاب عبد اللّه عشرين سنة ثم عصاه عشرين سنة ثم نظر في المرآة فرأى الشيب في لحيته فسائه ذلك ، فقال الهي أطعتك عشرين سنة وعصيتك عشرين سنة ، فان رجعت إليك أتقبلني ؟ فسمع قائلا يقول أجبتنا فأجبناك ، وتركتنا فتركنك ، وعصيتنا فأمهلناك وان رجعت الينا قبلناك . واعلم أن التائبين العالمين هم الفائزون ، وذلك انّ الناس ينقسمون في الآخرة بالضرورة إلى أربعة أقسام : الها لكون ، والمعذبون ، والناجون ، والفائزون ، ومثاله من الدنيا ان يستولي ملك