السيد نعمة الله الجزائري
32
الأنوار النعمانية
الشبهة الثانية قولهم ، إذا كانت العلة في غيبة الامام خوفه من الظالمين واتقاؤه من المخالفين ، وهذه العلة منفية عن أوليائه فيجب ان يكون ظاهرا لهم ، أو يسقط عنهم التكليف الذي إمامته لطف فيه ، وقد أجاب الأصحاب رضوان اللّه عليهم عن هذه الشبهة بأمور . الأول ان غيبته عن أوليائه ليس لعلة الخوف ، مثل أعدائه بل لخوف من اشاعتهم خبره ، والتحدث منهم بذلك على وجه التشرف بذكره ، والاحتجاج بوجوده ، فيؤدى ذلك إلى علم أعدائه بمكانه فيعقب علمهم بذلك ما ذكرناه من وقوع الضرر به . الثاني ان غيبته عن أعدائه للتقية منهم ، وغيبته عن أوليائه للتقية عليهم ، والاشفاق من وقوع الضرر بهم ، إذ لو ظهر للقائلين بإمامته ، وشاهده بعض أعدائه ، وأذاع خبره طولب أوليائه به إذا فات الطالب بالاستتار اعقب ذلك عظيم المكروه والضرر بأوليائه وهذا معروف بالعادات . الثالث ان في القائلين بإمامته من لا يرجع عن الحق وعن اعتقاد إمامته والقول بصحتها على حالة من الأحوال ، فأمره اللّه تعالى بالاستتار ليكون المقام على الاقرار بإمامته مع الشبهة في ذلك وشدّة المشقة أعظم ثوابا منه على الاقرار بإمامته مع المشاهدة له فكانت غيبته عن أوليائه لهذا الوجه ، ولم يكن التقية عندهم ، ويؤيده قوله تعالى في أول سورة لبقرة ألم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ فان المراد بالغيب على ما وقع في الأخبار المستفيضة هو الامام الغائب عن انظارهم ، فقد مدحهم اللّه سبجحانه على هذه الخصلة ، وفي الحديث ان واحدا من الصحابة قال للنبي صلّى اللّه عليه وآله أفضل الناس أصحابك يا رسول الله ؟ فقال صلّى اللّه عليه وآله لا بل أفضل الناس قوم يؤمنون بسواد على بياض لان الحجة تغيب عنهم ، وقال عليه السّلام إذا غاب الحجة فالقابض على دينه كالقابض « 10 » على جمر الغضا لان الايمان في حالة الامتحان والشدة أكثر ثوابا من غيره كما قال الصادق عليه السّلام واللّه لتبلبلنّ بلبلة ولتغربلن غربلة ولتساطن سوط القدر فيجعل اعلاكم اسفلكم واسفلكم اعلاكم . الرابع وهو الذي عوّل عليه المرتضى قدس اللّه روحه حيث قال أولا انا لا نقطع على أنه لا يظهر لجميع أوليائه فان هذا امر مغيب عنّا ولا يعرف كل منا الا حال نفسه فإذا جوّزنا ظهوره لهم كما جوزنا غيبته عنهم فنقول في علة عنهم ان الامام عليه السّلام عند ظهوره من الغيبة انما يميز شخصه ويعرف عينه بالمعجز الذي يظهر على يديه لان النصوص الدالة على إمامته لا تميّز شخصه عن غيره كما ميزّت اشخاص آبائه عليهم السّلام والمعجز انما يعلم دلالته بضرب من الاستدلال
--> ( 10 ) الغضا شجر من الأثل خشبة من اصلب الخشب وجمرة يبقى زمنا طويلا لا ينطفئ الواحدة منه غضاة .