السيد نعمة الله الجزائري
30
الأنوار النعمانية
لوجب عليه ان يتحمل ذلك لإزاحة علّة المكلفين لأنه عليه السّلام لو قتل لم يكن له من يخلفه ، ويقوم مقامه لان عليه تدور رحى القيامة ، ودولة آخر الدول بخلاف آبائه الطاهرين عليهم السّلام ، فأنهم لما ظهروا كانوا يعلمون أنهم لو قتلوا كان عندهم من يقوم مقامهم ، مع أن خوفه عليه السّلام أكثر وذلك لان الأئمة الماضين من آبائه عليهم السّلام قد أسروا إلى شيعتهم ان صاحب السيف هو الثاني عشر منهم ، وأنه الذي يملأ الأرض عدلا وأن دولته تغلب على كل الدول ، وفي ظهوره هلاك دول الطغاة ، فكانت السلاطين الظلمة يتوفقون عن اتلاف آبائه عليهم السّلام لعلمهم أنهم لا يخرجون بالسيف ، ويتشوقون إلى حصول الثاني عشر ليقتلوه ويبيدوه . ولهذا لما دفن مولانا الحسن العسكري عليه السّلام اضطرب السلطان وأصحابه في طلب ولده وكثر التفتيش في المنازل والدور ، وتوقفوا عن قسمة ميراثه ، ولم يزل الذين وكّلوا بحفظ الجارية التي توهموا عليها لحبل ملازمين لها سنتين وأكثر حتى يتبين لهم بطلان الحبل ، فقسّم ميراثه بين أمه وأخيه جعفر ، وادّعت أمه وصيته وثبتت عند القضاة والسلطان على ذلك يطلب اثر ولده فجاء جعفر بعد قسمة الميراث إلى السلطان ، فقال له اجعل لي مرتبة أبي وأخي وأوصل إليك في كل سنة عشرين ألف دينار ، فزبره واسمعه وقال له يا أحمق ان السلطان جرّد سيفه وسوطه في الذين زعموا ان أباك وأخاك أئمة ليردهم عن ذلك فلم يقدر عليه فان كنت عند شيعة أبيك وأخيك اماما فلا حاجة بك إلى السلطان وان لم تكن عندهم بتلك المنزلة لم تنلها بالسلطان ، وقد كان عليه السّلام مع غيبته عن الناس يظهر لخاصّة مواليه وشيعته ، ويخرج منه التوقيعات في فنون المسائل والاحكام ، وبقي على هذا الحال ستين سنة ، حتى اشتدّ الامر وكثر الكلب عليه ، والتفحص عن خواصه ومواليه فخاف على نفسه وعلى خواص شيعته ، وذلك في دولة الخليفة المعتضد ، فغاب هذه الغيبة الكبرى إلى الان نرجو من اللّه ان يوفقنا لتقبيل اعتابه . روى عن شقيق الحاجب قال بعث الينا المعتضد ، وأمرنا ان نركب ونحن ثلاثة نفر ، وقال الحقوا بسامرّة واكبسوا دار الحسن بن علي عليهما السّلام ، فإنه توفي ومن رأيتم في داره فالزموه ، فكبسنا الدار فإذا سرداب ، فدخلناها وكان بحر فيها وفي أقصاه حصير وقد علمنا أنه على الماء وفوقه رجل من أحسن الناس هيئة ، قائم يصلي فلم يلتفت الينا ولا إلى شيء من اسبابنا ، فسبق أحمد بن عبد اللّه ليتخطى ، فغرق في الماء وما زال يضطرب حتى مددت يدي اليه ، فخلّصته وأخرجته فغضى عليه ، وبقي ساعة ، وعاد صاحبي الثاني إلى فعل ذلك ، فناله مثل ذلك فبقيت مبهوتا فقلت لصاحب البيت المعذرة إلى اللّه وإليك فو اللّه ما علمت كيف وإلى من نجى وانا تائب إلى اللّه ، فما التفت إلى بشيء مما قلت وانصرفنا إلى المعتضد ، فقال اكتموه والا ضربت رقابكم وحاصل هذا الجواب انّ العلّة في غيبته عليه السّلام انما هي الخوف من القتل ، ويؤيده ما رواه زرارة