السيد نعمة الله الجزائري

88

الأنوار النعمانية

أقول لا يخفى ما في هذه الخطبة البليغة من الذم لمن تقدمه من الثلاثة ومن يكون على مثل هذه الحال كيف يكون قد رضى بأبي بكر وصاحبيه وبايعهما طوعا كما يقول جماعات العامة ، ومن هذا ذهب بعضهم إلى أن هذه الخطبة من قول السيد الضري ( ره ) جامع نهج البلاغة ، ويردّ هذا القول إن صاحب كتاب معاني الأخبار قد نقلها مسندة ومفسرة بتفسير الحسن بن سعيد العسكري وهو من أعيان الجمهور ، وتاريخ وفات صاحب كتاب معاني الأخبار قبل ولادة المرتضى أخي الرضي الذي هو أكبر من الرضي رحمهما اللّه تعالى . وقد نقلها صاحب كتاب الغارات مسندة بأسانيدهم ، وتاريخ الفراغ من ذلك يوم الثلاثا لثلاث عشرة خلون من شوال سنة خمسة وخمسين وثلاثمائة وهذه هي السنة التي ولد فيها المرتضى الموسوي ، وهو أكبر من أخيه الرضي كما عرفت وقد اعترف ابن أبي الحديد في الشرح انه اطلع عليها في نسخة تاريخها قبل ولادة الرضي مع أن طبقة كلامه عليه السّلام لا تخفى على من له معرفة بعلم البلاغة فان كلامه عليه السّلام كما قيل فوق كلام المخلوق وتحت كلام الخالق وحينئذ فلا بأس بالإشارة إلى حلّ ألفاظها والا فبسط الكلام فيها يحتاج إلى كتاب بانفراد . قوله عليه السّلام اما واللّه لقد تقمصها فلان ، يعني أبا بكر لبس الخلافة متكلفا لها وليس هو من أهلها وقوله عليه السّلام محل القطب من الرحى ، معناه ان مدار الرحى ومناط عملها انما هو على القطب ولولاه لكانت الرحى صخرة موضوعة على صخرة لا ينتفع بها بوجه من الوجوه وقوله عليه السّلام ينحدر عني السيل شبّه علومه وحكمه الواصلة إلى الناس بالماء الجاري من المحل المرتفع إلى المكان المنخفض فالمراد بالسيل علومه ومنافعه . وقوله عليه السّلام ولا ترقى اليّ الطير معناه ان الطير لو أراد الطيران إلى أدنى درجة من درجات كماله لم يبلغها ، وهو من تشبيه المعقول بالمحسوس ، وقوله عليه السّلام فسدلت دونها ثوبا وطوبت عنها كشحا ، معناه اني أرخيت بيني وبين الخلافة ثوبا ولم اطلبها ، وكذا طوبت عنها كشحا معناه اني أعرضت عن طلبها اعراضا ، والكشح هو الخاصرة . وقوله عليه السّلام وطفقت ارتأي بين ان أصول بيد جذّاء أو اصبر على طخية عمياء ، معناه اني شرعت انظر وأتأمل ان أصول بيد مقطوعة ، وهو كناية عن قلة الناصر والمعين والطخية الليلة المظلمة السوداء ، وهي خلافة الثلاثة كما قال تعالى أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ ، إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها ، وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ ، وقد ورد في الحديث تفسير الظلمات بخلافاتهم ، قوله عليه السّلام يهرم فيها الكبير ويشبّ فيها الصغير معناه ان الكبير يسرع اليه الهرم كما أن الصغير يسرع اليه الشيب بسبب هذه