السيد نعمة الله الجزائري

72

الأنوار النعمانية

ومما يقال أيضا من طرائف ما تجدد لفاطمة عليها السّلام معهم انها لما رأت تكذيبهم لها وشكهم فيها وفي شهودها بأن أباها وهبها ذلك في حياته أرسلت إلى أبي بكر ورووا انها حضرت بنفسها تطلب فدك بطريق الميراث من أبيها لان المسلمين اجمعوا على أن فدك كان لأبيها أو لها . فمن الروايات في ذلك ما ذكره البخاري في صحيحه في الجزء الخامس من اجزاء ثمانية باسناده ان فاطمة بنت رسول اللّه صلوات اللّه عليهما أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله مما أفاء اللّه عليه بالمدينة من فدك وما بقي من خمس خيبر فقال أبو بكر ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قال لا نورث ما تركناه صدقة ، وانما يأكل آل محمد عليهم السّلام من هذا المال واني واللّه لا اغيّر شيئا من صدقة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله عن حالها التي كانت عليه على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ولاعملنّ فيها بما عمل به رسول اللّه فأبى أبو بكر ان يدفع إلى فاطمة منها شيئا فغضبت فاطمة عليها السّلام في ذلك على أبي بكر فلم تكلمه حتى توفيت وعاشت بعد النبي صلّى اللّه عليه وآله ستة اشهر فلما ماتت دفنها زوجها علي عليه السّلام ليلا ولم يؤذن بها أبو بكر وصلّى عليها علي عليه السّلام . وروى مسلم في صحيحه هذا الحديث أيضا في الجزء الثالث وهذا بزعم أبي وصاحبه يقتضي ان محمدا صلّى اللّه عليه وآله اعمل أهل بيته الذين قال اللّه له عنهم وانذر عشيرتك الأقربين وفي القرآن يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة . فيلزم على هذا انه لم ينذر عشيرته ولا وقى أهله ولا عرفهم انهم لا يرثونه ولا عرف عليا عليه السّلام ولا عباس ولا أحدا من بني هاشم ولا أزواجه ولا سمعوا بهذا الحديث الذي رواه أبو بكر مدّة حياة نبيهم ولا بعد وفاته ، حتى خرج بعضهم بطلب ميراته وبعضهم يرضى بذلك الطلب ، وخرجت ابنته الطاهرة المعصومة تطلب ظلم جميع المسلمين على قولهم مع مخالطتها لأبيها سرا وجهرا وليلا ونهارا ولا اسمعها ولا اسمع زوجها ذلك الحديث واسمعه أبا بكر ما هذا الا شيء عجاب ما سمعنا بهذا في كل الملل والأديان . وبعض الجمهور لما صحّ عنده عموم آية الإرث وما طاوعته نفسه على تكذيب أبي بكر ذكر الحديث تأويلا ، وهذا هو الإمام الرازي في تفسيره الكبير عند قوله تعالى يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ بعد ان نقل الحديث الذي رواه أبو بكر نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة ، قال يحتمل ان يكون قوله ما تركناه صدقة صلة ، لقوله لا نورث ، والتقدير ان الشيء الذي تركناه صدقة لا نورّث ، ويكون المراد ان الأنبياء إذا عزموا على التصدق شيء فبمجرد العزم على ذلك يخرج ذلك الشيء عن ملكهم فلا يرثه انتهى والكلام على هذا التأويل واسع الميدان .