السيد نعمة الله الجزائري
256
الأنوار النعمانية
النادمين وأتيت نبيك تائبا فطردني وزادني خوفا فأسألك باسمك وجلالك وعظمة سلطانك ان لا تخيب رجائي ، سيدي ولا تبطل دعائي ولا تقنطني من رحمتك ، فلم يزل يقول ذلك أربعين يوما وليلة ويبكي له السباع والوحوش ، فلما تمتّ أربعون يوما وليلة رفع يديه إلى السماء وقال اللهم ما فعلت في حاجتي ان كنت استجبت دعائي وغرفت خطيئتي فأوح إلى نبيك عليه السّلام وان لم تستجب لي دعائي ولم تغفر لي خطيئتي وأردت عقوبتي فعجّل بنار تحرقني أو عقوبة في الدنيا تهلكني وخلّصني من فضيحة يوم القيامة ، فأنزل اللّه تبارك وتعالى على نبيه صلّى اللّه عليه وآله والذين إذا فعلوا فاحشة يعني لزنا أو ظلموا أنفسهم ، يعني بارتكاب ذنب أعظم من الزنا ، وهو نبش القبور واخذ الأكفان ، ذكروا اللّه فاستغفروا لذنوبهم ، يقول خافوا فعجلوا التوبة ، ومن يغفر الذنوب الا اللّه ، يقول اللّه عز وجل اتاك عبدي يا محمد تائبا فطردته فأين يذهب وإلى من يقصد ومن يسأل ان يغفر له ذنبا غيري ، ثم قال عز وجل وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ، يقول لم يقيموا على الزنا ونبش القبور واخذ الأكفان ، أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم اجر العاملين . فلما نزلت هذه الآية على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله خرج وهو يتلوها ويبتسم فقال لأصحابه من يدلني على ذلك الشاب لتائب ، قال معاذ انا ادلّك عليه يا رسول اللّه بلغنا انه في موضع كذا وكذا ، فمضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بأصحابه حتى انتهوا إلى ذلك الجبل فصعدوا اليه يطلبون الشاب ، فإذا هم بالشاب قائم بين صخرتين مغلولة يداه إلى عنقه قد اسوّد وجهه وتساقطت أشفار عينيه من البكاء ، وهو يقول قد أحسنت خلقي وأحسنت صورتي فليت شعري ما ذا تريد بي أفي نارك تحرقني أم في جوارك تسكنني ، ويقول اللهم انك قد أكثرت الاحسان اليّ وأنعمت عليّ فليت شعري ما ذا يكون آخر أمري إلى الجنة تزفني أم إلى النار تسوقني ، اللهم خطيئتي أعظم من السماوات والأرض ومن كرسيك الواسع العظيم وعرشك العظيم فليت شعري تغفر لي خطيئتي أم تفضحني بها يوم القيامة ، فلم يزل يقول نحو هذا وهو يبكي ويحثوا التراب على رأسه وقد أحاطت به السباع وصفّت فوق رأسه الطير وهم يبكون لبكائه فدنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فأطلق يديه من عنقه ونفض التراب عن رأسه وقال يا بهلول إبشر فإنك عتيق اللّه من النار ، ثم قال لأصحابه هكذا تداركوا الذنوب كما تداركها بهلول ، ثم تلا عليه السّلام ما انزل اللّه عز وجل فيه وبشرّه بالجنة . فان قلت كيف اطمعه النبي صلّى اللّه عليه وآله في قبول التوبة أولا وان ذنبه قابل للغفران وان كان اثقل من السماوات وما ذكر ثم لما ذكر ذنبه اعرض عن قبول توبته وطرده ومنعه .