السيد نعمة الله الجزائري
213
الأنوار النعمانية
والتقوى ، وهذا في غاية البعد بل حمل هذه الأخبار خصوصا الخبر الأول على مثل هذا غير محتمل بوجه من الوجوه ، وان احتمله بعض اخبار هذا الباب . ورابعها وهو المشهور في تأويل هذه الأخبار وما ضاهاها مما ظاهره الجبر ونفي الاختيار الوارد في كل الاخبار من أنه منمزّل على العلم الإلهي ، فإنه سبحانه قد علم الأشياء قبل وجودها كعلمه بها بعد وجودها ، وقد علم في الأزل أحوال الخلق في الأبد وما يأتونه وما يذرونه بالاختيار منهم ، فلما علم منهم هذه الأحوال وانها تقع باختيارهم عاملهم هذه المعاملة كالخلق من الطينة الخبيثة المنتنة ، والأحوال السابقة روى الصدوق طاب ثراه باسناده إلى ابن أبي عمير ، قال سألت أبا الحسن موسى بن جعفر عليهما السّلام عن معنى قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله الشقي من شقى في طبن أمه ، والسعيد من سعد في بطن أمه ، فقال الشقيي من علم اللّه عز وجل وهو في بطن أمه انه سيعمل اعمال الأشقياء والسعيد من علم اللّه عز وجل وهو في بطن أمه انه سيعمل اعمال السعداء ، قلت فما معنى قوله صلّى اللّه عليه وآله اعملوا فكلّ مسيّر لما خلق له فقال ان اللّه عز وجل خلق الجن والانس ليعبدوه ولم يخلقهم ليعصوه وذلك قوله عز وجل وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون فيسّر كلّا لما خلق فالويل لمن استحب العمى على الهدى ، وهذا الحديث الشريف يكشف عن فرد واحد من افراد هذه المقالة ، ولكن الظاهر أن حكم ما عداه حكمه لاتحاد الطريق . وخامسها ما خطر بالبال ولكن اخذا من الطاهرين عليه السّلام وحاصله انه قد تحققت من الأنوار السابقة ان خلق الأرواح قد كان قبل خلق عالم الذر ، وقد اججّ سبحانه نارا وكلّف تلك الأرواح بالدخول ، فمنهم من بادر إلى الامتثال ومنهم من تأخر عنه ولم يأت له ، فمن هناك جاء الايمان والكفر ولكن بالاختيار فلما أراد سبحانه ان يخلق لتلك الأرواح ابدانا تتعلق بها لكل نوع من الأرواح مناسبا له من الأبد ان كان جعل للأرواح الطيبة ابدانا مثلها ، وكذا للأرواح الخبيثة ، فيكون ما صنع بها سبحانه جزاءا لذلك التكليف السابق ، نعم لما مزج الطينتين اثر ذلك المزج في قبولا الاعمال الحسنة وضدّها ، فان قلت إذا كان الحال على هذا المنوال فلأي شيء قال الصادق عليه السّلام لأبي إسحاق الليثي لا تطلع على سرنا أحدا الا مؤمنا وان اطلعت غيره على هذا ابتليت في نفسك ومالك وأهلك ، وما معنى هذه التقية ومن أي فريق يكون . قلت يجوز ان يكون هذه التقية من المخالفين فإنهم إذا فهموا هذا العلم علموا من القرائن ان ليس المراد باهل الشمال المذكورين في الخبر الا همّ ومثل هذا مما يتقي فيه قطعا ، ويجوز ان يكون تقية أو اتقاءا على الشيعة فانّ عوامهم إذا سمعوا بمثل هذا اقبلوا على الاتيان بأنواع المحارم والذنوب ، فيكونون قد اتوا ذنوبا تزيد على ما يقتضيه مزج الطينتين ، لأنك قد تحققت ان اللمم وهي الصغائر القليلة قد يفعل المؤمن بمقتضى مادته وطبيعته ، واما الكبائر كالزنا واللواط ونحو