السيد نعمة الله الجزائري
201
الأنوار النعمانية
انما اشرك اباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون ، قال أكثر المفسرين معناه ان اللّه تعالى أخرج ذرية آدم من صلبه كهيئة الذر فعرضهم على آدم فقال إني آخذ على ذريتك ميثاقهم ان يعبدوني ولا يشركون بي شيئا وعليّ ارزاقهم ، ثم قال ألست بربكم قالوا بلى شهدنا انك ربنا فقال للملائكة اشهدوا فقالوا شهدنا وقيل إن اللّه تعالى جعلهم فهماء عقلاء يسمعون خطابه ويفهمونه ، ثم ردهم إلى صلب آدم والناس محبوسون بأجمعهم حتى يخرج كل من أخرجه في ذلك الوقت وكل من ثبت على الاسلام فهو على الفطرة الأولى ومن كفر وجحد فقد تغيّر عن الفطرة الأولى ، وفي بعض الأخبار المعتبرة ان الخطاب هكذا ألست بربكم ومحمد نبيكم وعلي امامكم قالوا بلى فحذفوا تمام الآية كما تصرفوا في غيره من الآيات فيكون هذا الميثاق مما أقروا فيه أيضا بولاية الأئمة عليهم السّلام فيكون عدم القبول لها في ميثاق آخر جمعا بين الاخبار . واعلم أن تأويل الآية على هذا المذكور مما دلّت عليه الاخبار النقية السند وذهب اليه جمع اكثير من المفسرين ، وقد ردّه المرتضى طاب ثراه وشيخنا الطبرسي ( ره ) قالوا إن اللّه سبحانه قال وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ ولم يقل من آدم ، وقال مِنْ ظُهُورِهِمْ ولم يقل من ظهره ، وقال ذُرِّيَّتَهُمْ ولم يقل ذريته ، ثم اخبر تعالى بأنه فعل ذلك لئلا يقولوا انهم كانوا عن ذلك غافلين أو يعتذروا بشرك آبائهم وانهم نشأوا على دينهم وهذا يقتضي ان يكون لهم آباء مشركون فلا يتناول ولد آدم لصلبه وأيضا فان هذه الذرية المستخرجة من صلب آدم لا يخلو إما ان يكون قد جعلهم اللّه عقلاء أو لم يجعلهم كذلك فإن لم يجعلهم عقلاء فلا يصح ان يعرفوا التوحيد وان يفهموا خطاب اللّه تعالى ، وان جعلهم عقلاء وأخذ عليهم الميثاق فيجب ان يتذكروا ذلك ولا ينسوه ، لان أخذ الميثاق لا يكون حجة على المأخوذ عليه الا ان يكون ذاكرا له فيجب ان نذكر نحن الميثاق ، ولأنه لا يجوز ان ينسى الجمع الكثير من العقلاء شيئا كانوا عرفوه وميّزوه حتى لا يذكره واحد منهم إلى غير ذلك من الاعتراضات الظاهرة الدفع التي لا ينبغي ان تذكر في معارضة خبر من الاخبار فارتكبوا في تأويل الآية معنى آخر ، وهو انه سبحانه أخرج بني آدم منا صلاب آبائهم إلى أرحام أمهاتهم ثم رقاها درجة درجة علقة ثم مضغة ثم أنشأ كلا منهم بشرا سويا ثم حيا مكلفا وأراهم آثار صنعته ومكنّهم من معرفة دلائل حتى كأنه اشهدهم وقال لهم ألست بربكم قالوا بلى ، فعلى هذا يكون معنى اشهدهم على أنفسهم دلّهم بخلقه على توحيده وانما اشهدهم على أنفسهم بذلك لما جعلهم في عقولهم من الأدلة على وحدانيته وركّب فيهم من عاجئب خلقته وغرائب صنعته وفي غيرهم فكأنه سبحانه بمنزلة المشهد لهم على أنفسهم وكانوا في مشاهدة ذلك وظهوره فيهم على الوجه الذي اراده اللّه وتعذّر امتناعهم منه بمنزلة المعترف المقرّ وان لم يكن هناك اشهاد صورة وحقيقة ، والعجب ان هذا المعنى مع احتياجه إلى التأويل في كل ظواهر لفظ