السيد نعمة الله الجزائري
189
الأنوار النعمانية
إلى اللّه سبحانه لاشتغالك بالملك فاشتق لك اسم من السلامة من التودد والمداواة وارجوا ان تلحق بأبيك في التوبة والفراغ لعبادة اللّه سبحانه . كما روى أن سليمان عليه السّلام رأى عصفورا يقول لعصفورته لم تمنعيني نفسك ولو شئت أخذت قبّة سليمان بمنقاري فألقيتها في البحر ، فتبسّم سليمان من كلامه ثم دعا بها فقال للعصفور أتطيق أن تفعل ذلك فقال لا يا رسول اللّه ولكن المرء قد يزيّن نفسه ويعظمها عند زوجته ، والمحبّ لا يلام على ما يقول ، فقال سليمان للعصفورة لم تمنعينه من نفسك وهو يحبّك فقال يا نبي اللّه انه ليس محبا ولكنه محب مدّع لأنه يحب معي غيري فأثر كلام العصفور في قلب سليمان وبكى بكاء شديدا واحتجب عن الناس أربعين يوما يدعو اللّه ان يفرغ قلبه بمحبته وان لا يخالطها بحبة غيره . وروى أيضا انه عليه السّلام مرّ يوما بعصفور يقول لزوجته ادني مني حتى أجامعك لعل اللّه يرزقنا ولدا يذكر اللّه تعالى فإنّا قد كبرنا فتعجب سليمان عليه السّلام وقال هذه النيّة خير من مملكتي ، ويجوز ان يكون معناه على هذا التقدير ان الحرف الزايد في اسمك للدلالة على الجرح الزائد في قلبك ، فان الذنب في القلب كالإصبع الزايدة فهذه الزيادة اللفظية دالة على تلك الزيادة المعنوية . التوجيه الثاني ان يكون المعنى على ذلك إلى قوله وأنت سليمان وحاصله ان داود صدرت منه زلّة داواها بالتودد والتوبة فاشتق له منها اسم وأنت سليمان أي سليم أنت من ذلك الذنب فلهذا سميت به اشتقاقا من السلامة وان زيادة ذلك الحرف يدلّ على زيادة معنى فيك وهو السلامة من الذنب فقولها وارجوا ان تلحق بابيك أي في الجلالة وعظم الشأن فإنه بالتوبة عرج معارج السابقين وسليمان عليه السّلام بسبب الاشتغال بالملك قد قصر عنه . والحاصل ان صدور مثل هذا من الأنبياء عليهم السّلام انما هو لنيل الكرامات الحاصلة بسبب التوبة فإنه قد روى أن من علامات المؤمن انه مفتن تواب وروى أنه لو لم يصدر منكم الذنب فالتوبة لاماتكم اللّه وخلق بدلكم أقواما يذنبون ثم يتوبون وفي الحديث ان اللّه افرح بتوبة المؤمن من رجل كان في مفازة مع رفقة في ليل اظلم ، فلما أقاموا للركوب ضلّ بعيره في ذلك الليل فطلبه فلم يجده وارتحل عنه رفقاؤه ، وبقي في تلك المفازة وحده في ذلك الليل والمفازة ليس فيها زاد ولا ماء فلما ايس من البعير اتى إلى محله وجلس واضعا رأسه بين ركبتيه منتظرا للسبع أو الموت ، فما لبث الا وقد اتى اليه رجل بذلك البعير فقال له اركب حتى أبلغك إلى رفقائك فيدخله ذلك الوقت من السرور ما لا يحصى فاللّه سبحانه افرح بتوبة المؤمن من ذلك الرجل ، وفي عرف العوام ليس صحبة الا من بعد عتبه وهذا جار في التجارب كما لا يخفى على المتتبع إذا عرفت هذا .