السيد نعمة الله الجزائري

190

الأنوار النعمانية

فأعلم انه قد بقي الكلام في أدعية الأئمة عليهم السّلام واطوارهم واعترافهم بالذنوب وكثرة بكائهم عليها خصوصا سيد الساجدين عليه السّلام فان صحيفته الشريفة قد تضمنت استقالته من الذنوب وحزنه عليها ونحن قد تقرر باجماعنا ان الأئمة عليهم السّلام منزّهون عن أنواع الذنوب فكيف صدر منهم هذه المقالات مع أنه لم ينقل أحد من المخالفين مع تكثرهم في كل الاعصار وتفحصهم على طعن عليهم بوجه من الوجوه يتعلقون به في التشنيع على مذهبنا وعلى الأئمة عليهم الطاهرين الاسلام فلم يظفروا به فلم تنع عليهم زلة ولا ذكر فيهم من المساوئ شيء ، وحينئذ فما وجه هذه الاعترافات منهم . فنقول قد ذكرنا في شرحنا على الصحيفة وجوها كثيرة بعضها من محققي أصحابنا وبعضها من سوانح البال فلنذكر هنا بعضا منها ، الأول ما قاله بعض أهل العرفان من انّ مثل هذا انما هو تعليم منهم للأمة كيف يتضرعون ويبكون على ذنوبهم وكيف يعترفون فان الأنبياء عليهم السّلام قبلهم كان مناط تبليغهم الرسالة على التنزل إلى مكالمات البشر بمقتضى عقولهم ، حتى أنه صلّى اللّه عليه وآله قال للحسين عليه السّلام وهو طفل كخ كخ يا حسين لّما أخذ تمر من تمر الصدقة ، ولا يخفى من هذا لمن تتبع اطوارهم عليهم السّلام فان مدلول كلامهم في مناجاتهم انما هو صدره عن نار حزن كامنة في القلوب ، وخوف قد أحاط بمجامع أعضائهم مع امكان تعليم الأمة مثل هذه التضرعات بالقول دون الفعل ، وهذا الوجه هو الذي اختاره الغزالي في كتاب الاحياء بالنسبة إلى ما صدر عن الأنبياء عليهم السّلام من الاعتراف بالذنب وكثرة البكاء والتضرع ، وقد عرفت ما يرد عليه . الوجه الثاني انهم عليهم السّلام لما كانوا في هذه النشأة والانسان لا يخلو فيها اما من فعل مكروه أو ترك مستحب ، وذلك كالصلاة في الثياب السود وكالنوم على جانب اليسار ونحو ذلك ، فهم عليهم السّلام قد عدّوا هذه ذنوبا وانقطعوا إلى اللّه سبحانه من تبعاتها ، والظاهر أن هذا أيضا غير تامّ لأنهم عليهم السّلام أهل الشرع الأنور ، وقد كانوا يرتكبون مثل هذه الأمور تعليما للاما بجواز تلك الأفعال ، حيث إنه قد ورد النهي عن فعل ذلك المكروه بذلك الفعل المستحب فربما ادّى فعل ذلك المكروه إلى الوجوب عليهم كما لا يخفى . الثالث ما ذهب اليه شيخنا المعاصر « 1 » أيده اللّه تعالى منان صدور هذا وأمثاله منهم عليهم السّلام ليس هو من باب الاخبار عن فعل سابق بل هو من قبيل التواضع الانشائي كقول علي بن الحسين عليهما السّلام انا مثل الذرة أو دونها ، وكما يقال في العرف عند التواضع انا مقصر في خدمتك يا فلان وانا عبدك ، وهذا الوجه له وجه في الجملة ، وربما كان في الاخبار دلالة عليه .

--> ( 1 ) هو العلامة المجلسي المولى محمد باقر الاصفهاني الشهير صاحب بحار الأنوار .