السيد نعمة الله الجزائري
13
الأنوار النعمانية
والمساكين وقد عيروا به الأنبياء حيث قالوا ، واتبعك الأرذلون وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادي الرأي ولا يستبعد هذا من الكفار ، فان مثله قد وقع في فرق الإسلام ومن محققيهم حتى أن السيد المدقق السيد شريف في شرحه على المواقف لما ذكر مطاعن الثلاثة ، وذكر فضائل أمير ألمؤمنين عليه السّلام ومدائحه ، قال لكنا وجدنا السلف قالوا بأن الأفضل أبو بكر ، ثم عمر ، ثم عثمان ، ثم علي وحسن ظننا بهم يقضي بأنهم لو لم يعرفوا ذلك لما أطبقوا عليه فوجب علينا اتباعهم في ذلك القول ، وتفويض ما هو الحق فيه إلى اللّه ومثل هذا قد وقع من علماء الإسلام كثيرا ، حتى في أصل المذهب ، والحمد للّه الذي من علينا بإيمان الاباء والأجداد ، فإنه وعمرك من أفضل النعم ، وأوفر القسم . . الثالث - أن الاختلاف قد جاء أيضا من زيادة الجاه والاعتبار ، ووفور المال في ما بين أهل تلك المذاهب الفاسدة ، فاهم كثيرا ما يعظمون علمائهم ، ويحملون إليهم أنواع الهدايا ، والعوام تبع لأهل العلم في كل ملة وقبيلة ، وقد حكى تعالى عنهم بقوله عز من قائل اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ ، وفي الرواية ما صلوا ولا صاموا ، ولكن حللّوا لهم حراما وحرموا لهم حلالا فقبلوه منهم فمن هذه الجهة قال أربابا من دون اللّه ، ومثل هذا في فرق الإسلام كثير . الرابع - أن العقول كلها سافرت طالبة لمعرفته ، وقاصدة للوصول إلى قرب حضرته وفي الدعاء يا مطلوب كل طالب ، وقد كانت مسافة السفر بعيدة جدا ، لأنه وإن كان أقرب من حبل الوريد ، لكنه على فاستعلى فكان بالمنظر الأعلى ، وفي الدعاء يا بعيدا في دنوه ، ومع بعد هذه المسافة قد كانت مشتملة على اخطار وآفات وقد كان سالكها يحتاج إلى جماعة من الرفقاء وإلى مطية تحمله وإلى نور شمس يستضيء بها في سيره ودليل حاذق قد تكرر سلوكه لذلك الطريق ، يعرف موارد مهالكه من أماكن النجاة . فالدليل الحاذق لهذه المسافة ، هم الأنبياء وأوصياؤهم المعصومون المحدثون من جانب الغيب ولذا جرت العادة الإلهية بعدم ارسال رسول الا بعد استكمال كمالاته وبلوغه الأربعين ، فإنها أقصى غايات الكمال ، وفي هذه المدة قد كان الباري سبحانه يعلمه ويؤدبه ويعرفه أماكن النجاة وسلوك الطريق إليه ، فبعد إكمال المدة أرسله إلى الخلائق هاديا لأنه سبحانه قد هداه سابقا . وكرر تردده في طريق قربه ومعرفته ، ومن ثم ذهب المحققون إلى أن أشدّ صدمة على الأنبياء من أمتهم هو معاشرتهم معهم ، فأن النفوس القدسية إذا تنزلت إلى مخالطة الحيوانات ، وتعليمها المراتب الكمال كان عليها في نهاية الإشكال ، ومن هذا ما أرسل نبي ذو كتاب ، إلا بعد رعي الأنعام في البراري والقفار ، ليتعودوا على معاشرة الحيوانات ، حتى يسهل الخطب عليه بعد الإرسال ، روى أن موسى عليه السّلام كان يرعى أغنام شعيب عليه السّلام فانهزم من قطيعه تيس فصعد الجبل فبقى موسى تابعا له ، عامة يومه في رؤوس الجبال ، فلما لزمه قبله