السيد نعمة الله الجزائري

14

الأنوار النعمانية

على وجهه ، ومسح التراب من فوقه ، وقال معتذرا عنده : أيها الحيوان أتعبتك هذا اليوم من جهة الطلب ولا كان المقصود منك القيمة ، ولكن الخوف عليك من الذئاب ، ثم حمله على عاتقه حتى وصله إلى الحيوانات ، فلما كمل له هذا الخلق أوحى اليه أن يا موسى قد صرت قابلا للرسالة فامض إلى فرعون وقل له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ، ومثل هذا قد وقع من نبينا صلّى اللّه عليه وآله في موارد كثيرة نذكرها في موضعها إنشاء اللّه . والحاصل أن الأدلة لهذا الطريق هم الأنبياء عليهم السّلام وأما النور الذي به يقطع تلك المسافة فهو نور العلم فإن العقل إنما يسير بنور العلم ، ومن هنا ترى من فقد هذا النور واقفا لا يهتدي إلى سلوك ما أمامه من الطريق ، تابع لكل ناعق ينعق به ، ويقول هذا هو الطريق ، وهذا شأن أكثر العوام من كل الملل ، والأديان وأما مطيّة هذا المسافة فهي التحمل والصبر حتى لا يسأم من كثرة السفر وأما أخطارها فهم الشياطين فإن على رأس كل منزل جماعات كثيرة ، منهم يرغبون ذلك المسافر في النزول معهم ، لقرب المسافة عندهم ولمكان الاستراحة لديهم ، ولا يعرف ذلك الرجل أن غرضهم أخذ ما معه من ثياب الإيمان ، والأموال التي هي قيمة دين الاسلام . وفي الحديث عن الصادق عليه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله الإسلام عريان فلباسه الحياء وزينته الوقار ومروته العمل الصالح ، وعماده الورع ولكل شيء أساس وأساس الإسلام حبنا أهل البيت . وعند سلوك هذه المسافة حصل الاختلاف في الوصول إلى المقصود فبعض بقي متابعا لدليل الطريق الحاذق فوصل إلى أن قال ، لو كشف الغطاء لما ازددت يقينا وبعض تابع دليلا لا معرفة له بتلك المسافة ولا رآها قبل تلك المرة فضل به عن الطريق ، فكلما أمعن في السير لم يزدد من المقصود إلا بعدا ، وهؤلاء المحكى عنهم بقوله عز من قائل ومنهم أمة يهدون إلى النار وبقوله تعالى إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وبعض اقتفى الأثر وهم المؤمنون الأمثل فالأمثل على تفاوت درجات الاقتفاء وبعض ضل فأخذته شاطين القفار ، وربما منّ اللّه عليه بالنجاة بعد هذا فلما رجعت جماعة المسافرين ، كانت على أنحاء شتى فمنهم الواصل حتى رأى بالعيان ومنهم القريب إلى الحمى ومنهم المسلوب ثياب ايمانه ، وكذا في درجات المعرفة ، فإنّ بعضهم يقول رأيت وبعضهم يقول سمعت والسماع يختلف اختلافا كثيرا ، ومن هذا قال بعض بالولد وآخرون بالصاحبة وجماعة بالجسمية ، إلى غير ذلك مما عرفت ، وإن أردت ضرب مثال حسي ، فانظر إلى قاصدي مكة شرفها اللّه تعالى ، فإن كل الحاج مقصدهم واحد ، ويرجع جماعة حاجين وآخرون غير حاجين ، وثالث قد حجوا حجا فاسدا وجماعة ما أدركوا الا الاضطراريين ، أو أحد الاختياريين ، وأناس عدلوا من نوع الحج إلى نوع آخر ، وليس هذا الاختلاف الا لنظير ما عرفت ، وبعد المراجعة قيل سافرت فيك العقول فما ربحت الا اذى السفر . الخامس - انه سبحانه قد احتجب عن الحواس ، وفي الحديث ان اللّه احتجب عن