السيد نعمة الله الجزائري
12
الأنوار النعمانية
خفيا من فرط الظهور . وقد نقل لي أن الفاضل الدواني لما أراد كتابة رسالة في إثبات الواجب قالت له أمه ما تكتب فقال لها رسالة في إثبات الواجب فقالت له ، أفي اللّه شك خالق السماوات والأرض فترك تأليف ما أراد ومن تأمل دليل الأعرابي حيث سئل عن الدليل على وجود الصانع فقال البعرة تدل على البعير وآثار الأقدام على المسير أفسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج « 14 » لا تدل على وجود اللطيف الخبير يجده أدل على المطلوب « 15 » من البراهين التي ذكرها ابن سينا في كتابيه ( الشفا والإشارات ) والطوسي قدس اللّه روحه في ( قواعده وتجريده ) فإنك قد عرفت إبتنائها على ما لا يتم والعقول سيالة ولذا ترى كل لاحق يغلط سابقه وينقض دلائله وقد استفاض في الاخبار ان كل مولود يولد على الفطرة إلا أن أبويه يهودانه وينصرانه وهذا المعنى شايع لا ينكر . فإن قلت إذا كان معرفته تعالى على هذا النحو من الظهور فما بال العقلاء اختلفوا في إثباته ، وكيفية صفاته ، وبعضهم نفاه رأسا وقال ما يهلكنا إلا الدهر وبعضهم أثبت له شركاء كالمسيح ، وعزير ، وقالت طائفة الملائكة بنات اللّه ، وبعضهم قالوا بجسميته ، حتى أن طائفة من طوائف المسلمين كالحنابلة ذهبوا إلى أنه جسم كالأجسام وأنه في صورة شاب حسن الصورة ينزل كل ليلة جمعة راكبا على حمار فيدبر أمر الأرض إلى الجمعة الأخرى حتى أنهم ربما وضعوا لحماره شعيرا فوق سطوحهم ، وبعضهم صنعوا له شريكا من التمر وهم بنو حنظلة ، وكانوا يعبدونه ، قال صاحب الكشاف ما انتفع كافر من ربه مثل انتفاع بني حنظلة ، فإنهم كانوا يصنعون صنما من التمر والحلوا فيكثرون السجود له ، فإذا جاعوا أكلوه ، وكان ذلك العام عام قحط ومجاع وبعضهم أثبت إلهين وهما النور والظلمة ، وقال إن النور يفعل الخير والظلمة يفعل الشر ، إلى غير ذلك من المذاهب الفاسدة والآراء الكاسدة . قلت الجواب عن هذا من وجوه الأول : وأن ما وقع به الاختلاف ليس هو محل الظهور فإنك قد تحققت أن مكان الظهور ، وهو كونه موجودا صانعا ، وهذا لم يشك به عاقل وما ورد من فرق الكفّار من الانكار له تعالى ، فهو من مجرد اللسان ، كما حكاه سبحانه بقوله وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ، وقول أهل عبادة الأصنام ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى . الثاني : أن الاختلاف قد جاء من تقليد الأسلاف كما حكاه عنهم من قولهم إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ واما أسلافهم فقد أخذتهم الحمية الجاهلية ، عن متابعة الأنبياء لأنهم بزعمهم انهم ، أهل ملّة يقتدى بهم الناس فكيف يحسن منهم الترك لرتبة الإمامة والتنزل إلى درجة المأمومية ، ولهذا ما كان يقتدى بالأنبياء سوى الفقراء
--> ( 14 ) الفجاج الطريق الواسع الواضح بين جبلين . ( 15 ) هذا الدليل الاني أدل على المطلوب بالنسبة إلى افهام أكثر الناس من العوام والخواص واما البراهين العقلية التي ذكروها في الكتب والاسفار العقلية فهي أدل على المطلوب عند أهل النظر والتحقيق والفكر العميق .