السيد نعمة الله الجزائري
118
الأنوار النعمانية
لِلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ . واما الثانية فقوله تعالى هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ، وحاصل الجواب الذي أشار عليه السّلام هو ان اللّه سبحانه خلق مادة الأرض وهي الزبد قبل خلق الدخان الذي خلق منه السماء فلما خلق السماء من ذلك الدخان رجع إلى تسطيح الأرض ودحوها فدحاها ووسعها ولم يكن قبل هذا الدحو الا الأرض التي هي موضع الكعبة الان ومنه سميت مكة أم القرى لان ارضها مادة لكل الأراضي ، فتقدم كل من السماء والأرض على الاخر باعتبار فلا تناقض . وأجيب عن رفع التنافي أيضا بأن كلمة بعد في قوله تعالى وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها ، ليست للتأخر الزماني بل انما هو على جهة تعداد النعم والأذكار لها كما يقول القائل ا ليس قد أعطيتك وفعلت بك كذا وكذا ، وبعد ذلك خالطتك ، وربما يكون بعض ما تقدم في اللفظ متأخرا بحسب الزمان لأنه لم يكن الغرض الإخبار عن الأوقات والأزمنة بل المراد ذكر النعم والتنبيه عليها وربما اقتضت الحال ايراد الكلام على هذا الوجه وقد مال بعض أساتيذنا إلى أن وجه الجمع هو ان تسوية السماء المطلقة متقدمة على دحو الأرض واما تسويتها سبعا فمتأخرة عنه ، وقيل فيه وجوه أخرى والمعوّل على ما أشار اليه الامام عليه السّلام . فان قلت الحكم بأن الماء أول مخلوق من الأجسام ينافي ما ورد في التورية وما في تفسير علي بن إبراهيم الذي لم يأخذ كلامه في ذلك التفسير الا من الاخبار اما الذي وجد في التورية فهو ان مبدأ الخلق هو ان اللّه سبحانه وتعالى خلق جوهرة ثم نظر إليها نظر الهيبة فذابت اجزاؤها فصار الماء فثار من الماء بخار كالدخان فخلق منه السماوات وظهر على وجه الأرض مثل زبد البحر فخلق منه الأرض ثم ارسلها بالجبال . واما الذي ذكره علي بن إبراهيم قدس اللّه روحه فقد ذكر في تفسير قوله تعالى وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ ، قال وذلك في مبدء الخلق ان الربّ تبارك وتعالى خلق الهوى ثم خلق القلم فأمره ان يجري فقال يا رب بما أجري فقال بما هو كائن ثم خلق الظلمة من الهوى وخلق النور من الهوى ، وخلق الماء من الهوى ، وخلق العرشي من الهوى ، وخلق العقيم من الهوى ، وهو الريح الشديد ، وخلق النار من الهوى ، وخلق الخلق كلهم من هذه الستة التي خلقت من الهوى . قلت : قد ذكرنا سابقا الوجه في الجمع بين أسبقية الهوى على الماء بان أسبقية الماء إضافية بالنسبة إلى محسوسات الأجسام والهوى ليس بمحسوس ، ومن ثم انكر بعضهم وجوده بقي الكلام في الدرة والهوى فيجوز ان يكون سبحانه قد كوّن الدرة من الهوى فخلق الماء من الدرة هو خلق