السيد نعمة الله الجزائري

114

الأنوار النعمانية

وأعجب من هذا كله ان من وافق الفلاسفة من علماء الاسلام كيف غفل عن هذا المعنى وهو ان كتاب ربهم وسنّة نبيهم لم تهمل مما يحتاج اليه الخلق ومما لا يحتاجون اليه حتى أن الأئمة عليهم السّلام رووا في أدنى الأمور كالكنف واضرابه ضروبا من الاخبار عن جدهم صلّى اللّه عليه وآله وذكروا آداب الاكل والشرب والجلوس إلى غير ذلك وأهملوا هذا الامر العظيم الذي يدور عليه مدار الخلق والايجاد ، وبه يتحقق الكفر والالحاد وكيف لم تذكر هذه العقول وأفاعليها في آية من الآيات ولا في حديث من الأحاديث ولا في تاريخ من التواريخ ، ولا نقله خلف عن سلف وكذا ما سيأتي من اعتقادات الحكماء ومتابعيهم من أهل الاسلام كيف اهملها الشارع ولم يتعرض لها بوجه من الوجوه . ومن الطرائف في هذا المقام ان أنجس المخلوقات وأدناها شرفا هو الكلب مع أنه سبحانه لما امر صاحبه بتعليمه للصيد لم يرض له بتعليم صاحبه الذي يعلمه ، بل قال عز من قائل يسئلونك ما ذا أحل لهم قل احلّ لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم اللّه ، أي من العلم الذي امركم على لسان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ان تعلموه الكلاب من اتباع الكلب الصيد بارسال صاحبه وانزجاره بزجره ، ولا يعتاد اكل ما امسكه ، وقوله مكلبين مشتق من الكلب ، أي حال كونكم صاحبي كلاب أو معلمي كلاب ، فإذا لم يحسن في الشرع تعليم الكلب الا من العلوم الإلهية فكيف جاز لكم أيها الحكماء والعلماء ان تعلموا الانسان الذي هو اشرف المخلوقات الذي تمدّح اللّه عند تمام خلقه بقوله فتبارك اللّه أحسن الخالقين ، العلم الذي توهمته عقولكم وحصلته اوهامكم وزعمتم انه علم ولم يذكر في شيء من الكتب السماوية وما سمعنا أيضا الهيولى والصورة ولا الجزء الذي لا يتجزئ في شيء من الاخبار وان هذا أقل فسادا مما تقدم إذا عرفت هذا . فاعلم أن الأفلاك التي أثبتها الحكماء والرياضيون بالارصاد بسبب اختلاف الحركات تسعة أفلاك كلية ، ولكنها تشتمل على أفلاك جزئية وأول تلك الكليات عندهم هي فلك الأفلاك وهو المسمى عندهم بالفلك الأطلس ، لأنه غير مكوكب قالوا وهذا هو الذي يسمى بالعرش المجيد في لسان الشرع ، وتحته فلك الثوابت قالوا وهو المسمى بالكرسي في الشرع ، ثم فلك زحل ثم فلك المشتري ، ثم فلك المريخ ثم فلك الشمس ثم فلك عطارد ، ثم فلك القمر وهو السماء الدنيا ، قالوا دلّ على ترتيبها الحجب فما هو أسفل يحجب ما هو أعلى ، أي يصير ساترا له عنّا إذا وقع على محازاته ، فإنهم وجدوا القمر يحجب سائر السيارة فعلم أنه تحت الجميع ووجدوا عطارد يكسف الزهرة الزهرة والمريخ والمريخ المشتري ، والمشتري زحل وحل بعض الثوابت .