فخر الدين الرازي
297
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
والتصغير للتعظيم ، ومعلوم أن قريشا موصوفون بهذه الصفات لأنها تلي أمر الأمة ، فإن الأئمة من قريش وثانيها : أنه مأخوذ من القرش وهو الكسب لأنهم كانوا كاسبين بتجاراتهم وضربهم في البلاد وثالثها : قال الليث : كانوا متفرقين في غير الحرم ، فجمعهم قصي بن كلاب في الحرم حتى اتخذوها مسكنا ، فسموا قريشا لأن التقرش هو التجمع ، يقال : تقرش القوم إذا اجتمعوا ، ولذلك سمي قصي مجمعا ، قال الشاعر : أبوكم قصي كان يدعى مجمعا * به جمع اللّه القبائل من فهر ورابعها : أنهم كانوا يسدون خلة محاويج الحاج ، فسموا بذلك قريشا ، لأن القرش التفتيش قال ابن حرة : أيها الشامت المقرش عنا * عند عمرو وهل لذاك بقاء قوله تعالى : رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ فيه مسائل : المسألة الأولى : قال الليث : الرحلة اسم الارتحال من القوم للمسير ، وفي المراد من هذه الرحلة قولان : الأول : وهو المشهور ، قال المفسرون : كانت لقريش رحلتان رحلة بالشتاء إلى اليمن لأن اليمن أدفأ وبالصيف إلى الشأم ، وذكر عطاء عن ابن عباس أن السبب في ذلك هو أن قريشا إذا أصاب واحدا منهم مخمصة خرج هو وعياله إلى موضع وضربوا على أنفس خباء حتى يموتوا ، / إلى أن جاء هاشم بن عبد مناف ، وكان سيد قومه ، وكان له ابن يقال له : أسد ، وكان له ترب من بني مخزوم يحبه ويلعب معه فشكا إليه الضرر والمجاعة فدخل أسد على أمه يبكي فأرسلت إلى أولئك بدقيق وشحم فعاشوا فيه أياما ، ثم أتى ترب أسد إليه مرة أخرى وشكا إليه من الجوع فقام هاشم خطيبا في قريش فقال : إنكم أجدبتم جدبا تقلون فيه وتذلون ، وأنتم أهل حرم اللّه وأشراف ولد آدم والناس لكم تبع قالوا : نحن تبع لك فليس عليك منا خلاف فجمع كل بني أب على الرحلتين في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام للتجارات ، فما ربح الغني قسمه بينه وبين الفقير حتى كان فقيرهم كغنيهم ، فجاء الإسلام وهم على ذلك ، فلم يكن في العرب بنو أب أكثر مالا ولا أعز من قريش ، قال الشاعر فيهم : الخالطين فقيرهم بغنيهم * حتى يكون فقيرهم كالكافي واعلم أن وجه النعمة والمنة فيه أنه لو تم لأصحاب الفيل ما أرادوا ، لترك أهل الأقطار تعظيمهم وأيضا لتفرقوا وصار حالهم كحال اليهود المذكور في قوله : وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً [ الأعراف : 168 ] واجتماع القبيلة الواحدة في مكان واحد أدخل في النعمة من أن يكون الاجتماع من قبائل شتى ، ونبه تعالى أن من شرط السفر المؤانسة والألفة ، ومنه قوله تعالى : وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ [ الحج : 197 ] والسفر أحوج إلى مكارم الأخلاق من الإقامة القول الثاني : أن المراد رحلة الناس إلى أهل مكة فرحلة الشتاء والصيف عمرة رجب وحج ذي الحجة لأنه كان أحدهما شتاء والآخر صيفا وموسم منافع مكة يكون بهما ، ولو كان يتم لأصحاب الفيل ما أرادوا لتعطلت هذه المنفعة . المسألة الثانية : نصب الرحلة بلإيلافهم مفعولا ، به ، وأراد رحلتي الشتاء والصيف ، فأفرد لأمن الإلباس كقوله : كلوا في بعض بطنكم ، وقيل : معناه رحلة الشتاء ورحلة الصيف ، وقرئ ( رحلة ) بضم الراء وهي