فخر الدين الرازي
298
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
[ سورة قريش ( 106 ) : آية 3 ] فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ ( 3 ) اعلم أن الإنعام على قسمين أحدهما : دفع الضرر والثاني : جلب النفع والأول أهم وأقدم ، ولذلك قالوا : دفع الضرر عن النفس واجب أما جلب النفع [ فإنه ] غير واجب ، فلهذا السبب بين تعالى نعمة دفع الضرر في سورة الفيل ونعمة جلب النفع في هذه السورة ، ولما تقرر أن الإنعام لا بد وأن يقابل بالشكر والعبودية ، لا جرم أتبع ذكر النعمة بطلب العبودية فقال : فَلْيَعْبُدُوا وهاهنا مسائل : المسألة الأولى : ذكرنا أن العبادة هي التذلل والخضوع للمعبود على غاية ما يكون ثم قال بعضهم : أراد فليوحدوا رب هذا البيت لأنه هو الذي حفظ البيت دون الأوثان ، ولأن التوحيد مفتاح العبادات ، ومنهم من قال : المراد العبادات المتعلقة بأعمال الجوارح / ثم ذكر كل قسم من أقسام العبادات ، والأولى حمله على الكل لأن اللفظ متناول للكل إلا ما أخرجه الدليل ، وفي الآية وجه آخر ، وهو أن يكون معنى فَلْيَعْبُدُوا أي فليتركوا رحلة الشتاء والصيف وليشتغلوا بعبادة رب هذا البيت فإنه يطعمهم من جوع ويؤمنهم من خوف ، ولعل تخصيص لفظ الرب تقرير لما قالوه لأبرهة : إن للبيت ربا سيحفظه ، ولم يعولوا في ذلك على الأصنام فلزمهم لإقرارهم أن لا يعبدوا سواه ، كأنه يقول : لما عولتم في الحفظ علي فاصرفوا العبادة والخدمة إلي . المسألة الثانية : الإشارة إلى البيت في هذا النظم تفيد التعظيم فإنه سبحانه تارة أضاف العبد إلى نفسه فيقول : يا عِبادِيَ * [ العنكبوت : 56 ] وتارة يضيف نفسه إلى العبد فيقول : وَإِلهُكُمْ * [ البقرة : 163 ] كذا في البيت [ تارة ] يضيف نفسه إلى البيت وهو قوله : فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ وتارة يضيف البيت إلى نفسه فيقول : طَهِّرا بَيْتِيَ [ البقرة : 125 ] . [ سورة قريش ( 106 ) : آية 4 ] الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ( 4 ) ثم قال تعالى : الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وفي هذه الإطعام وجوه أحدها : أنه تعالى لما آمنهم بالحرم حتى لا يتعرض لهم في رحلتيهم كان ذلك سبب إطعامهم بعد ما كانوا فيه من الجوع ثانيها : قال مقاتل : شق عليهم الذهاب إلى اليمن والشام في الشتاء والصيف لطلب الرزق ، فقذف اللّه تعالى في قلوب الحبشة أن يحملوا الطعام في السفن إلى مكة فحملوه ، وجعل أهل مكة يخرجون إليهم بالإبل والخمر ، ويشترون طعامهم من جدة على مسيرة ليلتين وتتابع ذلك ، فكفاهم اللّه مؤونة الرحلتين ثالثها : قال الكلبي : هذه الآية معناها أنهم لما كذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم دعا عليهم ، فقال : « اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف » فاشتد عليهم القحط وأصابهم الجهد فقالوا : يا محمد ادع اللّه فإنا مؤمنون ، فدعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأخصبت البلاد وأخصب أهل مكة بعد القحط ، فذاك قوله : أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ ثم في الآية سؤالات : السؤال الأول : العبادة إنما وجبت لأنه تعالى أعطى أصول النعم ، والإطعام ليس من أصول النعم ، فلما علل وجوب العبادة بالإطعام ؟ والجواب : من وجوه أحدها : أنه تعالى لما ذكر إنعامه عليهم بحبس الفيل وإرسال الطير وإهلاك الحبشة ، وبين أنه تعالى فعل ذلك لإيلافهم ، ثم أمرهم بالعبادة ، فكان السائل يقول : لكن نحن محتاجون إلى كسب الطعام والذب عن النفس ، فلو اشتغلنا بالعبادة فمن ذا الذي أيطعمنا ، فقال : الذي