فخر الدين الرازي

296

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

لا تحصى ، فكأنه قيل : إن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبده لهذه الواحدة التي هي نعمة ظاهرة . القول الثالث : أن تكون هذه اللام غير متعلقة ، لا بما قبلها ولا بما بعدها ، قال الزجاج : قال قوم : هذه اللام لام التعجب ، كأن المعنى : اعجبوا لإيلاف قريش ، وذلك لأنهم كل يوم يزدادون غيا وجهلا وانغماسا في عبادة الأوثان ، واللّه تعالى يؤلف شملهم ويدفع الآفات عنهم ، وينظم أسباب معايشهم ، وذلك لا شك أنه في غاية التعجب من عظيم حلم اللّه وكرمه ، ونظيره في اللغة قولك لزيد وما صنعنا به ولزيد وكرامتنا إياه وهذا اختيار الكسائي والأخفش والفراء . المسألة الثانية : ذكروا في الإيلاف ثلاثة أوجه أحدها : أن الإيلاف هو الإلف قال علماء اللغة : ألفت الشيء وألفته إلفا وإلافا وإيلافا بمعنى واحد ، أي لزمته فيكون المعنى لإلف قريش هاتين الرحلتين فتتصلا ولا تنقطعا ، وقرأ أبو جعفر : ( لإلف قريش ) وقرأ الآخرون ( لإلاف قريش ) ، وقرأ عكرمة ( ليلاف قريش ) وثانيها : أن يكون هذا من قولك : لزمت موضع كذا وألزمنيه اللّه ، كذا تقول : ألفت كذا ، وألفنيه اللّه ويكون المعنى إثبات الألفة بالتدبير الذي فيه لطف ألف بنفسه إلفا وآلفه غيره إيلافا ، والمعنى أن هذه الألفة إنما حصلت في قريش بتدبير اللّه وهو كقوله : وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [ الأنفال : 63 ] وقال : فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً [ آل عمران : 103 ] وقد تكون المسرة سببا للمؤانسة والاتفاق ، كما وقعت عند انهزام أصحاب الفيل لقريش ، فيكون المصدر هاهنا مضافا إلى المفعول ، ويكون المعنى لأجل أن يجعل اللّه قريشا ملازمين لرحلتيهم وثالثها : أن يكون الإيلاف هو التهيئة والتجهيز وهو قول الفراء وابن الأعرابي فيكون المصدر على هذا القول مضافا إلى الفاعل ، والمعنى لتجهيز قريش رحلتيها حتى تتصلا ولا تنقطعا ، وقرأ أبو جعفر ( ليلاف ) بغير همز فحذف همزة الإفعال حذفا كليا وهو كمذهبه في يَسْتَهْزِؤُنَ * [ الأنعام : 5 ] وقد مر تقريره . المسألة الثالثة : التكرير في قوله : لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ هو أنه أطلق الإيلاف أولا ثم جعل المقيد بدلا لذلك المطلق تفخيما لأمر الإيلاف وتذكيرا لعظيم المنة فيه ، والأقرب أن يكون قوله : لِإِيلافِ قُرَيْشٍ عاما يجمع كل مؤانسة وموافقة كان بينهم ، فيدخل فيه مقامهم / وسيرهم وجميع أحوالهم ، ثم خص إيلاف الرحلتين بالذكر لسبب أنه قوام معاشهم كما في قوله : وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ [ البقرة : 98 ] وفائدة ترك واو العطف التنبيه على أنه كل النعمة ، تقول العرب : ألفت كذا أي لزمته ، والإلزام ضربان إلزام بالتكليف والأمر ، وإلزام بالمودة والمؤانسة فإنه إذا أحب المرء شيئا لزمه ، ومنه : أَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى [ الفتح : 26 ] كما أن الإلجاء ضربان أحدهما : لدفع الضرر كالهرب من السبع والثاني : لطلب النفع العظيم ، كمن يجد مالا عظيما ولا مانع من أخذه لا عقلا ولا شرعا ولا حسا فإنه يكون كالملجأ إلى الأخذ ، وكذا الدواعي التي تكون دون الإلجاء ، مرة تكون لدفع الضرر وأخرى لجلب النفع ، وهو المراد في قوله : إِيلافِهِمْ . المسألة الرابعة : اتفقوا على أن قريشا ولد النضر بن كنانة ، قال عليه الصلاة والسلام : « إنا بني النضر بن كنانة لا نفقوا أمّنا ولا ننتفي من أبينا » وذكروا في سبب هذه التسمية وجوها أحدها : أنه تصغير القرش وهو دابة عظيمة في البحر تعبث بالسفن ، ولا تنطلق إلا بالنار وعن معاوية أنه سأل ابن عباس : بم سميت قريش ؟ قال : بدابة في البحر تأكل ولا تأكل ، تعلو ولا تعلى ، وأنشد : وقريش هي التي تسكن البحر * بها سميت قريش قريشا