فخر الدين الرازي
211
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
نفسه ، بل من الذين أثنى اللّه عليهم في قوله وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [ الحشر : 9 ] ، وثالثها : أن من خواص هذه الشجرة أن سائر الأشجار إذا أسقطت الثمرة من موضعها لم تعد في تلك السنة ، إلا التين فإنه يعيد البذر وربما سقط ثم يعود مرة أخرى ورابعها : أن التين في النوم رجل خير غني فمن نالها في المنام نال مالا وسعة ، ومن أكلها رزقه اللّه أولادا وخامسها : روي أن آدم عليه السلام لما عصى وفارقته ثيابه تستر بورق التين ، وروي أنه لما نزل وكان متزرا بورق التين استوحش فطاف الظباء حوله فاستأنس بها فأطعمها بعض ورق التين ، فرزقها اللّه الجمال صورة والملاحة معنى وغير دمها مسكا ، فلما تفرقت الظباء إلى مساكنها رأى غيرها عليها من الجمال ما أعجبها ، فلما كانت من الغد جاءت الظباء على أثر الأولى إلى آدم فأطعمها من الورق فغير اللّه حالها إلى الجمال دون المسك ، وذلك لأن الأولى جاءت لآدم لا لأجل الطمع والطائفة الأخرى جاءت للطمع سرا وإلى آدم ظاهرة ، فلا جرم غير الظاهر دون الباطن ، وأما الزيتون فشجرته هي الشجرة المباركة فاكهة من وجه وإدام من وجه ودواء من وجه ، وهي في أغلب البلاد لا تحتاج إلى تربية الناس ، ثم لا تقتصر منفعتها غذاء بدنك ، بل هي غذاء السراج أيضا وتولدها في الجبال التي لا توجد فيها شيء من الدهنية البتة ، وقيل : من أخذ ورق الزيتون في المنام استمسك بالعروة الوثقى ، وقال مريض لابن سيرين : رأيت في المنام كأنه قيل لي : كل اللامين تشف ، فقال : كل الزيتون فإنه لا شرقية ولا غربية ، ثم قال المفسرون : التين والزيتون اسم لهذين المأكولين وفيهما هذه المنافع الجليلة ، فوجب إجراء اللفظ على الظاهر ، والجزم بأن اللّه تعالى أقسم بهما لما فيهما هذه المصالح والمنافع . القول الثاني : أنه ليس المراد هاتين الثمرتين ، ثم ذكروا وجوها أحدها : قال ابن عباس : هما جبلان من الأرض المقدسة ، يقال لهما : بالسريانية طور تينا ، وطور زيتا ، لأنهما منبتا التين والزيتون ، فكأنه تعالى أقسم بمنابت الأنبياء ، فالجبل المختص بالتين لعيسى عليه السلام والزيتون الشأم مبعث أكثر أنبياء بني إسرائيل ، والطور مبعث موسى عليه السلام ، والبلد الأمين مبعث محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فيكون المراد من القسم في الحقيقة تعظيم الأنبياء وإعلاء درجاتهم وثانيها : أن المراد من التين والزيتون مسجدان ، ثم قال ابن زيد : التين مسجد دمشق والزيتون مسجد بيت المقدس ، وقال آخرون : التين مسجد أصحاب أهل الكهف ، والزيتون مسجد إيليا ، وعن ابن عباس التين مسجد نوح المبني على الجودي ، والزيتون مسجد بيت المقدس ، والقائلون بهذا القول إنما ذهبوا إليه لأن القسم بالمسجد أحسن لأنه موضع العبادة والطاعة ، فلما كانت هذه المساجد في هذه المواضع التي يكثر فيها التين والزيتون ، لا جرم اكتفى بذكر التين والزيتون وثالثها : / المراد من التين والزيتون بلدان ، فقال كعب : التين دمشق والزيتون بيت المقدس ، وقال شهر بن حوشب : التين الكوفة ، والزيتون الشام ، وعن الربيع هما جبلان بين همدان وحلوان ، والقائلون بهذا القول ، إنما ذهبوا إليه لأن اليهود والنصارى والمسلمين ومشركي قريش كل واحد منهم يعظم بلدة من هذه البلاد ، فاللّه تعالى أقسم بهذه البلاد بأسرها ، أو يقال : إن دمشق وبيت المقدس فيهما نعم الدنيا ، والطور ومكة فيهما نعم الدين . أما قوله تعالى : وَطُورِ سِينِينَ فالمراد من الطور الجبل الذي كلم اللّه تعالى موسى عليه السلام عليه ، واختلفوا في سينين والأولى عند النحويين أن يكون سينين وسينا اسمين للمكان الذي حصل فيه الجبل أضيفا إلى ذلك المكان ، وأما المفسرون فقال ابن عباس في رواية عكرمة : الطور الجبل وسينين الحسن بلغة الحبشة ،