فخر الدين الرازي

212

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

وقال مجاهد : سينين المبارك ، وقال الكلبي : هو الجبل المشجر ذو الشجر ، وقال مقاتل : كل جبل فيه شجر مثمر فهو سينين وسينا بلغة النبط قال الواحدي : والأولى أن يكون سينين اسما للمكان الذي به الجبل ، ثم لذلك سمي سينين أو سينا لحسنه أو لكونه مباركا ، ولا يجوز أن يكون سينين نعتا للطور لإضافته إليه . أما قوله تعالى : وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ فالمراد مكة والأمين : الآمن قال صاحب « الكشاف » : من أمن الرجل أمانة فهو أمين وأمانته أن يحفظ من دخله كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه ، ويجوز أن يكون فعيلا بمعنى مفعول من أمنه لأنه مأمون الغوائل ، كما وصف بالأمن في قوله : حَرَماً آمِناً * [ العنكبوت : 67 ] يعني ذا أمن ، وذكروا في كونه أمينا وجوها أحدها : أن اللّه تعالى حفظه عن الفيل على ما يأتيك شرحه إن شاء اللّه تعالى وثانيها : أنها تحفظ لك جميع الأشياء فمباح الدم عند الالتجاء إليها آمن من السباع والصيود تستفيد منها الحفظ عند الالتجاء إليها وثالثها : ما روي أن عمر كان يقبل الحجر ، ويقول : إنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقبلك ما قبلتك ، فقال له علي عليه السلام : إما أنه يضر وينفع إن اللّه تعالى لما أخذ على ذرية آدم الميثاق كتبه في رق أبيض ، وكان لهذا الركن يومئذ لسان وشفتان وعينان ، فقال : افتح فاك فألقمه ذلك الرق وقال : تشهد لمن وافاك بالموافاة إلى يوم القيامة ، فقال عمر : لا بقيت في قوم لست فيهم يا أبا الحسن . ثم قال تعالى : [ سورة التين ( 95 ) : آية 4 ] لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ( 4 ) المراد من الإنسان هذه الماهية والتقويم تصبير الشيء على ما ينبغي أن يكون في التأليف والتعديل ، يقال : قومته تقويما فاستقام وتقوم ، وذكروا في شرح ذلك الحسن وجوها أحدها : أنه تعالى خلق كل ذي روح مكبا على وجهه إلا الإنسان فإنه تعالى خلقه مديد القامة يتناول مأكوله بيده وقال الأصم : في أكمل عقل وفهم وأدب وعلم وبيان ، والحاصل أن القول الأول راجع إلى الصورة الظاهرة ، والثاني إلى / السيرة الباطنة ، وعن يحيى بن أكثم القاضي أنه فسر التقويم بحسن الصورة ، فإنه حكى أن ملك زمانه خلا بزوجته في ليلة مقمرة ، فقال : إن لم تكوني أحسن من القمر فأنت كذا ، فأفتى الكل بالحنث إلا يحيى بن أكثم فإنه قال : لا يحنث ، فقيل له : خالفت شيوخك ، فقال : الفتوى بالعلم ولقد أفتى من هو أعلم منا وهو اللّه تعالى فإنه يقول : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ وكان بعض الصالحين يقول : إلهنا أعطيتنا في الأولى أحسن الأشكال ، فأعطنا في الآخرة أحسن الفعال ، وهو العفو عن الذنوب ، والتجاوز عن العيوب . أما قوله تعالى : [ سورة التين ( 95 ) : آية 5 ] ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ ( 5 ) ففيه وجهان : الأول : قال ابن عباس : يريد أرذل العمر ، وهو مثل قوله : يرد إلى أرذل العمر ، قال ابن قتيبة : السافلون هم الضعفاء والزمنى ، ومن لا يستطيع حيلة ولا يجد سبيلا ، يقال : سفل يسفل فهو سافل وهم سافلون ، كما يقال : علا يعلو فهو عال وهم عالون ، أراد أن الهرم يخرف ويضعف سمعه وبصره وعقله وتقل حيلته ويعجز عن عمل الصالحات ، فيكون أسفل الجميع ، وقال الفراء : ولو كانت أسفل سافل لكان صوابا ، لأن لفظ الإنسان واحد ، وأنت تقول : هذا أفضل قائم ولا تقول : أفضل قائمين ، إلا أنه قيل : سافلين على الجمع لأن الإنسان في معنى جمع فهو كقوله : وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [ الزمر :