فخر الدين الرازي
269
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم سورة التكاثر ثمان آيات مكية [ سورة التكاثر ( 102 ) : الآيات 1 إلى 2 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ ( 1 ) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ ( 2 ) فيه مسائل : المسألة الأولى : الإلهاء الصرف إلى اللهو واللهو الانصراف إلى ما يدعو إليه الهوى ، ومعلوم أن الانصراف إلى الشيء يقتضي الإعراض عن غيره ، فلهذا قال أهل اللغة : ألهاني فلان عن كذا أي أنساني وشغلني ، ومنه الحديث : « أن الزبير كان سمع صوت الرعد لهى عن حديثه » أن تركه وأعرض عنه ، وكل شيء تركته فقد لهيت عنه ، والتكاثر التباهي بكثرة المال والجاه والمناقب يقال : تكاثر القوم تكاثرا إذا تعادلوا ما لهم من كثرة المناقب ، وقال أبو مسلم : التكاثر تفاعل من الكثرة والتفاعل يقع على أحد وجوه ثلاثة يحتمل أن يكون بين الاثنين فيكون مفاعله ، ويحتمل تكلف الفعل تقول : تكارهت على كذا إذا فعلته وأنت كاره ، وتقول : تباعدت عن الأمر إذا تكلفت العمى عنه وتقول : تغافلت ، ويحتمل أيضا الفعل بنفسه كما تقول : تباعدت عن الأمر أي بعدت عنه ، ولفظ التكاثر في هذه الآية ويحتمل الوجهين الأولين ، فيحتمل التكاثر بمعنى المفاعلة لأنه كم من اثنين يقول كل واحد منهما لصاحبه : أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً [ الكهف : 34 ] ويحتمل تكلف الكثرة فإن الحريص يتكلف جميع عمره تكثير ماله ، واعلم أن التفاخر والتكاثر شيء واحد ونظير هذه الآية قوله تعالى : وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ [ الحديد : 20 ] . المسألة الثانية : اعلم أن التفاخر إنما يكون بإثبات الإنسان نوعا من أنواع السعادة لنفسه ، وأجناس السعادة ثلاثة : فأحدها : في النفس والثانية : في البدن والثالثة : فيما يطيف بالبدن من خارج ، أما التي في النفس فهي العلوم والأخلاق الفاضلة وهما المرادان بقوله حكاية عن إبراهيم : رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [ الشعراء : 83 ] وبهما ينال البقاء الأبدي والسعادة السرمدية . وأما التي في البدن فهي الصحة والجمال وهي المرتبة الثانية ، وأما التي تطيف بالبدن من خارج فقسمان : أحدهما : ضروري وهو المال والجاه والآخر غير ضروري وهو الأقرباء والأصدقاء / وهذا الذي عددناه في